العد التنازلي لإطلاق جديد



  • تأثير كوفيد-19 أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة: حوار مع محمود محيي الدين

    تأثير كوفيد-19 أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة: حوار مع محمود محيي الدين

    آراب فاينانس: توقف العالم للمرة الأولى منذ سنوات عدة، وأغلقت البلدان حدودها بينما تشاهد الشعوب تطورات جائحة عالمية آخذة في الانتشار.

     تحاول بلدان العالم مجابهة "كوفيد-19" باستثمار المليارات؛ درءًا لتداعياته، بل وتتضافر جهود المجتمع العالمي بأسره لمواجهته.

    قد يرى البعض أن مستوى التعاون الدولي الحالي نادر الحدوث، إذ لم نشهده سوى مرتين في العقد الماضي عندما واجهت دول العالم مشكلة التغير المناخي، وعندما وضعت الأمم المتحدة أهداف التنمية المُستدامة السبعة عشر "SDGs".

    تشتمل أهداف التنمية المُستدامة السبعة عشر على معالجة الأزمة المناخية ومواجهة الأوبئة، مثل "كوفيد-19". ومع ذلك، وبينما يكتنف ضباب "كوفيد-19" العالم، يظل السؤال حول ما إذا كانت بقية أهداف التنمية في خطر.

    ومن أجل فهم أفضل لهذا الموضوع، حظينا بفرصة لقاء بالاقتصادي محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل خطة 2030 للتنمية المستدامة.

    وخدم محيي الدين المجتمع الدولي أغلب سنوات مسيرته المهنية، فشغل منصب النائب الأول لرئيس مجموعة البنك الدولي، وقبل ذلك عمل بعدة مناصب في مجالات التنمية البشرية والتنمية المُستدامة والحد من الفقر والإدارة الاقتصادية وتطوير القطاع الخاص، بين مهام أخرى، كما عُيّن محيي الدين وزيرًا للاستثمار لستة أعوام.

    يرى كثير من الاقتصاديين أن فيروس "كورونا" سيعيد تعريف طريقة عمل البلاد ومُستهدفاتها على المدى الطويل. هل تعتقد بأن "كوفيد-19" سيؤثّر على تحقيق أهداف التنمية المُستدامة؟

    تضمّن جزء من عملية التخطيط لأهداف التنمية المُستدامة لعام 2030 احتمالية وقوع تغيرات جوهرية للظروف، سواء كانت زيادة بالغة لعدد السكان أو تغير مناخي ضخم، أو أوبئة أو مشاكل إنسانية، فكل هذه الصدمات من طبيعة الحياة.

    لذلك، ينبغي ألا يُنظر إلى أهداف التنمية المُستدامة على أنها خطة طويلة المدى لا تمت للحياة اليومية أو التغيرات الفورية بصلة. وفي حقيقة الأمر، فإن أهداف التنمية المُستدامة تتعلق بالقضايا المُلحة ذات الاهتمام.

    فعلى سبيل المثال، وفي ضوء سؤالِك، فالمشاكل الصحية لا يعالجها الهدف الثالث (الصحة والرفاهية) فحسب، بل أيضًا الهدف الثاني المعني بالتغذية، وهذا مثال بين أمثلة أخرى.

    في ضوء ذلك، كيف سيسهم تحقيق أهداف التنمية المُستدامة في منع وقوع وباء مماثل في المستقبل؟ فماذا بمقدور الدول فعله اليوم؟

    أفضّل النظر إلى هذا الأمر من زوايا مختلفة. أولًا، لم نكن لنواجه هذا الذعر العالمي لو عملت البلدان على تطوير برامجها الصحية وتمويلها على نحو فعال، أو إن نفذت برنامج رعاية طبية وقائي فعال، والأهم إن ضمّنت البلدان هذه البرامج في الموازنات بجانب التأهب لأزمة صحية.

    وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى عدم تحقق مُستهدفات الصحة في أهداف الأمم المتحدة الإنمائية للألفية بكل البلدان النامية. وُضعت الأهداف الإنمائية في عام 2000 بهدف تحقيقها بحلول عام 2015، وهو ما لم يحدث في كثير من البلاد. لذلك، تلتها أهداف التنمية المُستدامة السبعة عشر بعام واحد.

    ثانيًا، وعودة لسؤالك بخصوص تأثير "كوفيد-19" على تحقيق أهداف التنمية المُستدامة، فإن مواجهتنا للأزمات الصحية مستقبلًا تعتمد، بشكل كبير، على الدروس التي ستتعلمها الحكومات من الصدمة الحالية، وأقصد بالصدمة أن أحدًا لم يكن يتوقع مدى هذا التأثير.

    لقد شهدنا فيما مضى صدمات عالمية، مثل "سارس" وفيروس الإنفلونزا "إتش 1 إن 1"، وفيروس "إيبولا"، وغيرهم... لذلك، كان من المتوقع، أثناء مرحلة التخطيط، أن يشهد العالم مزيد من الأوبئة قبل عام 2030. ومع ذلك، كنا نرجح رد فعل أسرع في مواجهة الفيروس، وهو ما لم يحدث في كثير من البلدان.

    نقترب بسرعة من نقطة اللا عودة حينما يتعلق الأمر بالأزمة المناخية، إذ يستأثر "كوفيد-19" بكل الموارد والانتباه الحكوميين. كيف بمقدور الأمم المتحدة ضمان إحراز تقدم في هذا الصدد؟

    رغم أهميتها، لكن أجندة 2030 لا تتعلق حصرًا بالبيئة والمناخ. تضم أهداف التنمية المُستدامة أربعة أجزاء أساسية، إحداها التغير المناخي والرفاهية البيئية، والثانية هي الفقر والنمو، وتنطوي على تكافؤ الفرص والتعليم والبنية الأساسية وغيرها. أما المجموعة الثالثة، فهي الحوكمة والشفافية، والرابعة، التي اعتقد أنها الأكثر أهمية، فتشمل كل ما يخص التنمية والاندماج البشري والاجتماعي.

    ورغم أنهم أربعة أجزاء، لكنهم متكاملون. إن كانت لديكِ ثلاث إطارات سليمة، فلن تتمكنِ من قيادة سيارتك حال وجود إطار معطوب.

    لا نتمتع برفاهية إغفال أي مصدر قلق، سواء الفقر المُدقع أو المخاوف الإنسانية مثلًا، رغم هيمنة "كوفيد-19". في الحقيقة، يشكل التبني التدريجي والمتساوي لكل أهداف التنمية المُستدامة جزء كبيرًا من معالجة الأزمتين التي تعرضتِ إليهما بالسؤال.

    إن كانت البلدان أكثر التزامًا بأجندة أهداف التنمية المُستدامة لكنّا في وضع أفضل في مواجهة فيروس "كورونا".

    ما تقييمك لوتيرة تطبيق دول العالم لأهداف التنمية المُستدامة؟

    سؤال مهم، ولكن تَصعُب الإجابة عليه. وللإجابة عنه، فنحن بحاجة لفحصه على أربعة مستويات. على الصعيد العالمي، حددت الدول الأهداف وقُدِم لها الدعم الفني.

    لكن على الصعيد الإقليمي، هناك قدر كبير من التناقض بين مختلف المناطق؛ إذ التزم بعضها التزامًا كاملًا وأحرزت تقدمًا هائلًا، مثل إقليم جنوب شرق آسيا، الذي حقق نموًا مرتفعًا وأظهر التزامًا كبيرًا ويتمتع بنظام صحي أفضل بكثير. ورغم أنه من المبكر الإدلاء بتصريح كهذا، لكن يمكنكِ رؤية مرونتهم في التعامل مع الجائحة.

    وعلى الصعيد القومي، أي الدول، فهناك درجة مماثلة من الاختلاف بين البلدان النامية والمتقدمة؛ إذ تتوافر لها موارد واستراتيجيات مختلفة، ومن ثَم، يتباين تقدم كل منها.

    فعلى سبيل المثال، تحرز بلاد شمال أوروبا تقدمًا ممتازًا، وكذلك بلدان الاتحاد الأوروبي، بالإضافة لدول مثل سنغافورة وكوريا وفيتنام. لكن يختلف الأمر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، التي تعالج الأمور على نحو مختلف، كما تولي المدن انتباهًا جيدًا للمناخ والاستدامة والفقر، حتى وإن لم تُصنف على أنها خطوات في سبيل تحقيق أهداف التنمية المُستدامة.

    وهناك ركيزة أساسية، أحيانا ما تُغفل، وهي المستوى المحلي، ويُقصد بهذا عملية تبني الإجراءات في مدينة أو بلدة بعينها. ويُعد السؤال شديد الأهمية هو كيفية تحديد أهداف التنمية المُستدامة على هذا المستوى في كل دولة، من حيث التعليم والصحة والمناخ، وهكذا.

    وبالنسبة لمصر على وجه الخصوص، كيف يمكننا الانتقال من استراتيجية نمو عالمية شاملة إلى تطبيق مصمم خصيصًا للمستوى المحلي؟

    نحتاج من أي دولة تعمل على تطبيق الأجندة ثلاثة أشياء، هي التمويل والبيانات والتنفيذ.

    نحن بحاجة لتلقي تحديثات دورية حول التقدم المُحرز على صعيد تطبيق أهداف التنمية، ويجب أن يُنفذ هذا الأمر بطريقة لا تمكّن المختصين فحسب من الوصول للبيانات، ولكن للناس كلها أيضًا؛ بهدف المراقبة الفعالة للتقدم على الصعيدين الوطني والمحلي. إن توافر هذه البيانات أمر بالغ الأهمية.

    ثانيًا التمويل، وفي هذا الصدد، قد يُنظر إليّ على أنّي تقليدي للغاية عندما أقول: إن لم يكن (التمويل) موجودًا في الموازنة فهو غير موجود من الأساس. يمكننا أن نتحدث كثيرًا عن إعطاء الأولوية للحد من الفقر مثلًا، لكن إن لم يكن هناك إنفاق مباشر أو كاف في هذا الصدد، إذا فهي ليست أولوية حقيقية.

    تحتاج البلدان، مثل مصر، إلى موازنة تقوم على أهداف التنمية المُستدامة، بمعنى أن تحقيق الأهداف يجب أن يكون في صدارة الاهتمام عند وضع الموازنة.

    وفي رأيي، فإن موازنة الدولة هي أهم أدوات تحقيق أهدافها، وما يهم أكثر هو أنها تعبر عن أولويات البلد. وعند النظر إلى جهود دولة ما، سيظل السؤال دائمًا: كم تنفق بشكل مباشر وفعال على تحقيق الأهداف الفردية؟

    للأسف، لم أر بعد موازنة تقوم على أهداف التنمية المُستدامة في العالم العربي.

    ما تقييمك لتبني مصر للأهداف مقارنة باقتصادات قوية أخرى في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؟

    لطالما كانت المنافسة بين الدول أمر جيد. ومع ذلك، يجب أن يُقاس الأمر بأوضاع كل دولة قبل إعلان أهداف التنمية في 2015. إذا كانت الدولة تحظى في ذلك الوقت بدخل أعلى للفرد ونظام أفضل، فستكون في وضع أفضل مقارنة بالدول المجاورة.

    ولذلك، فهناك اعتبارأن لقياس مدى تقدم كل دولة، هما الجهود والنتائج.

    ما تقييمك لمصر في هذا الصدد؟

    يُقصد بالجهود مشاركة القيادة، أي الجهات الحكومية والوزارات ورئيس الدولة. ومن المهم في هذا الصدد أن نعترف بالاهتمام البالغ الذي توليه مصر لأهداف التنمية المُستدامة. فعلى سبيل المثال، ارتفع معدل الفقر المُدقع في مصر، بحسب البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وإن في عدم إخفاء الحكومة لهذا الأمر أو تجاهله لمؤشر إيجابي.

    فضلًا عن ذلك، اتخذت مصر إجراءات محددة لمواجهة هذه المشكلة، فأطلقت الحكومة برنامج تكافل وكرامة للتحويلات النقدية، بالإضافة إلى إدخال تحسينات على شبكة الأمان الاجتماعي على المدى القصير. وعلى المدى المتوسط، توجد مشاريع الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل ومشروع التأمين الصحي الشامل وتطوير النظام التعليمي.

    أما النتائج فيَسهُل قياسها. وهناك مقياس مُتفق عليه لقياس الأهداف، وعددها 169، بجانب 230 مؤشرًا يمكن من خلالهم قياس التقدم المُحرز. ومع ذلك، تحتاج مصر لبذل مزيد من الجهود، وهي بحاجة لإنفاق المزيد على التعليم والصحة والفقر، ويتعيّن عليها أن تولي اهتمامًا أكبر بأبعاد الجودة.

    وعلى الجانب الإيجابي، أحرزت مصر تقدمًا كبيرًا على صعيد البنية الأساسية، التي تُعد جزءً من أهداف التنمية المُستدامة، على مدار العام الماضي. كما أجرت مصر تحسينات على مشاريع الطاقة المتجددة والكهرباء، وكذلك المدن الصالحة للعيش.

    كتبت: نادين أبو العطا

    #الكلمات المتعلقه

    © جميع الحقوق محفوظة أراب فاينانس 2015

    الي الاعلي