يبدو أن صندوق النقد الدولي قد إستهل عام 2025 بنظره تشاؤمية جعلته يتجه في تقاريره الصادرة مؤخراً بشأن معدلات النمو للإقتصاد العالمي والإقتصاديات الإقليمية والمحلية إلي مزيد من التحوط والحذر فمن الملاحظ أن توقعاته الصادرة فتقاريره خلال يناير 2025 أقل من التوقعات الصادرة في تقارير أكتوبر 2024.
ومن المعلوم أن صندوق النقد الدولي يبني توقعاته ليس فقط على المقومات الإقتصادية للإقتصاد محل الدراسة ولكنه ً يأخذ في الحسبان أيضاً الإعتبارات السياسية والصراعات الإقليمية والعالمية وأثارها المباشرة وغير المباشرة على معدلات نمو الإقتصاديات المحلية والإقليمية وبالتبعية على معدل نمو الإقتصاد العالمي ككل
وفي ضوء إستمرار وتصاعد الحرب الروسية الأوكرانية ودخول أسلحة جديدة إلي ساحة المعركة بما قد يشكل تطوراً نوعياً قد يؤدي لصدام محتمل مع حلف الناتو وأيضاً مع إستمرار التوتر في الشرق الأوسط وإستمرار تقييد حركة التجارة العالمية بالبحر الأحمر وقناة السويس، هذا بالإضافة إلي توقعات تصاعد التنافس الإقتصادي بين روسيا والصين من ناحيه والولايات المتحدة الأمريكية من ناحيه ثانية... في ضوء كل ماسبق يصبح من المنطقي أن تزداد النظرة التشاؤمية لمستقبل نمو الإقتصاد العالمي والإقتصاديات المحلية حتي أن التقرير خفض توقعاته لنمو الإقتصاد المصري للعام الحالي والعام المقبل فقد توقع معدل النمو لعام 2025 بنسية 3.6% بتراجع 0.5% عن توقعاته الصادرة في أكتوبر 2024 كما خفض توقعاته لعام 2026 لتصل إلي 4.1% بتراجع 0.1% عن توقعاته السابقة.
هذه التوقعات تجعلنا أمام تحديات لابد من العمل على مواجهتها بشكل مختلف وهو ما قد تساعد عليه بشكل كبير التغيرات المحتملة في الخريطة الجيوسياسية لنزاعات المنطقة.
فرغم وجاهة تقارير صندوق النقد الدولي إلا إني أعتقد أن الإقتصاد المصري لازال لديه الفرصة لتحقيق أرقام نمو تتجاوز ما أعلنه الصندوق في التقرير السابق بل التقرير الأسبق ولكن ذلك يرتبط بعدد من المتغيرات التي نأمل في حدوثها خلال الفترة القريبة القادمة.
فعلى المستوي الإقليمي سيؤدي وقف الحرب في غزة إلي إنتهاء حالة الاضطراب في البحر الأحمر وبالتالي إستعادة الإقتصاد المصري لمدخلاته الدولارية من قناة السويس عقب وقف هجمات الحوثيين التي ترتبط إرتباطاً عضوياً بالصراع في غزة ويتزامن مع ذلك سيادة حالة الهدوء والإستقرار النسبي في المناطق السياحية في جنوب سيناء والبحر الأحمر وبالتالي زيادة الإيرادات السياحية وهذه النتائج المأمولة ستؤدي بالضرورة إلي تخفيف ضغوط العملة الصعبة على الميزان التجاري المصري وتحسين حالة إستقرار سوق الصرف وتخفيف الضغط على الجنيه المصري.
إما على المستوي الدولي فتتوجه الإدارة الأمريكية الجديدة للتواصل إلي تسوية سياسية للحرب الروسية الأوكرانية سيؤدي إلي تخفيف الضغوط على العلاقات التجارية الخارجية للإقتصاد المصري وزيادة معدلات التجارة العالمية وتخفيف الأثار السلبية للعقوبات الأوروبية والأمريكية على روسيا وكلها ستؤدي إلي نتائج إيجابية للإقتصاد المصري في كافة النواحي.
لكن يظل مفعول وأثار هذه المتغيرات الإقليمية والدولية المأمولة يرتبط إرتباطاً وثيقاً بإستمرار تنفيذ السياسات الإقتصادية الإصلاحية التي سبق الإعلان عنها ويأتي على رأسها تسريع تنفيذ الطروحات الحكومية بما ينعش البورصة والإقتصاد والموارد الإيرادية للدولة ويتزامن مع ذلك التنفيذ الجاد لما تم الإعلان عنه كسياسة لملكية الدولة للأنشطة الإقتصادية بما يؤدي إلي زيادة حصة القطاع الخاص في الإقتصاد الكلي ويخرج به من دائرة الإنكماش إلي النمو المتطرد وبما يدفع نحو معدلات نمو يفوق ما يتوقعه صندوق النقد الدولي هذا بالإضافة إلي إتجاه الحكومة نحو المزيد من الضغط لإزالة المعوقات البيروقراطية والقضاء على غابة التشريعات المتداخلة والمعوقة للأنشطة الإقتصادية مع خلق منظومة رقابية واحدة ومتسقة وتخفيف وتبسيط إجراءات عمل الشركات والمؤسسات في كافة القطاعات وصولاً إلي بيئة مثالية جاذبة فعلاً للإستثمارات الأجنبية.
بهذه المتغيرات العالمية والإقليمية والسياسات الإقتصادية الداخلية نستطيع أن نتجاوز كل توقعات صندوق النقد الدولي ليس فقط للعامين القادمين بل للخمس سنوات القادمة والتي يمكن حينها إعتبارها كمقدمة لإنطلاق إقتصادي فعال ومأمول.