في ظل المشهد الاقتصادي العالمي الذي نعيشه اليوم، وفي ظل بيئة تشهد تطورًا مستمرًا في سلاسل الإمداد واهتمامًا متزايدًا بإدارة موارد النقد الأجنبي، لم يعد الحديث عن "دعم المنتج المحلي" مجرد شعار عاطفي أو مبادرة ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات. بل إننا، ومن واقع الأرقام والمؤشرات المالية، نرى أن تمكين الموردين المحليين أصبح "ضرورة استراتيجية" وركيزة أساسية للاستقرار المالي، ليس فقط للشركات الكبرى، بل للاقتصاد المصري ككل.
إن الانتقال من نموذج الاعتماد على الاستيراد إلى نموذج "توطين سلاسل الامداد" هو المسار الحقيقي لتحقيق نمو مستدام. ومن منطلق كوني مسؤولاً مالياً، أستطيع القول إن القيمة المضافة التي يخلقها المورد المحلي تتجاوز بمراحل مجرد توفير تكلفة الشحن أو الرسوم الجمركية؛ إنها تتعلق ببناء "مرونة مؤسسية" تسمح للشركات بالعمل والنمو بعيداً عن صدمات الأسواق الخارجية.
تخفيف الضغط على النقد الأجنبي
وبالنظر إلى الأثر الكلي، لا يمكننا عزل أداء القطاع الخاص عن الأهداف الوطنية للدولة؛ فكلما نجحنا في تعميق التصنيع المحلي، ساهمنا بشكل مباشر في تخفيف الضغط على النقد الأجنبي ودعم ميزان المدفوعات. إن احتفاظنا بالقيمة المالية داخل الدورة الاقتصادية المصرية، لا يمثل فحسب دعماً صريحاً للاستقرار المالي، بل يخلق بيئة استثمارية أكثر جذباً تبرهن على قوة الإنتاج المحلي وقدرته على الصمود.
هذا التوجه يتماشى تماماً مع رؤية الدولة نحو "توطين الصناعة" وتعميق الإنتاج المحلي، مما يفتح فرصة ذهبية للقطاع الخاص ليقوم بدوره كشريك أساسي في التنمية، فالشراكة هنا ليست مجرد تنسيق في السياسات، بل هي عمل تكاملي يهدف إلى بناء اقتصاد متنوع يمتلك أدوات إنتاجه؛ إلا أن هذه "السيادة الاقتصادية" التي نشدها تظل مرهونة بشرط أساسي، وهو وجود نظام دقيق لـ "حوكمة الجودة" يضمن أن المنتج المحلي ليس مجرد بديل اضطراري، بل منافس عالمي بكل المقاييس.
ومن هذا المنطلق، الشركات يجب ان لا تتنازل يوماً عن المعايير العالمية، بل ان تختار الطريق المستدام وهو العمل جنباً إلى جنب مع المورد المحلي لتمكينه من مطابقتها. ان استدامة الأعمال لا تتحقق عبر "سهولة الاستيراد"، بل عبر "مشوار التطوير" والاستثمار طويل الأمد في كفاءة الشريك المحلي، ليكون المنتج المصري واجهة مشرفة تعكس قوة استثماراتنا.
تجربة حقيقية.. لغة الأرقام تتحدث
وتتجسد هذه الرؤية بوضوح في تجربة «أمريكانا للمطاعم مصر»، التي تقدم مثالًا واقعيًا على نجاح الشراكة مع الموردين المحليين؛ إذ لم يكن وضع المورد المصري في قلب استراتيجيتنا وليد الصدفة، بل هو نتاج استثمار طويل الأمد نجنيه اليوم؛ حيث نفخر بأن أكثر من 85% من سلسلة التوريد الخاصة بنا تعتمد بالكامل على شركاء محليين. هذا الرقم يعكس رحلة عمل شاقة لتطوير قدرات الموردين المحليين للوصول بهم إلى معايير الجودة العالمية التي لا نتنازل عنهافي أي من أسواقنا.
ولأننا نؤمن بأن المورد المصري قادر على الابتكار والمنافسة متى وجد الدعم الصحيح، فقد اخترنا أن ننتقل من دور "المشتري" إلى دور "شريك النجاح". نحن لا نكتفي بطلب السلع، بل ننقل الخبرات الفنية والتدريب، ونساعد المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التوسع والنمو، مما يساهم بشكل مباشر في خلق آلاف فرص العمل وتنشيط القطاعات الصناعية والزراعية المرتبطة بنشاطنا، لتتحول ميزانيات الشراء لدينا إلى محرك تنموي شامل.
دعوة للتحرك.. نحو سياسات شراء مسؤولة
ختاماً، أجد الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى، لتبني القيادات في القطاع الخاص ومجتمع الاستثمار لـ "سياسات شراء مسؤولة" تمنح الأولوية للمورد المحلي، فدعم الإنتاج الوطني ليس تضحية بالأرباح، بل هو استثمار ذكي طويل الأجل يحمي استثماراتنا من تقلبات الخارج ويقوي الاقتصاد الذي نعيش فيه.
يجب أن نتكاتف مع الجهات الحكومية والمؤسسات التمويلية لتوفير الدعم اللازم للموردين المصريين، خاصة الصغار منهم، لتمكينهم من التوسع والابتكار. إن النجاح الحقيقي هو الذي يسير جنباً إلى جنب مع دعم الاقتصاد الوطني، وحينما ينمو المورد المحلي، تنمو معه فرص العمل، وتزدهر الصناعة، ويصبح اقتصادنا أكثر صلابة وقدرة على مواجهة المستقبل.
بقلم: محمد حسن : العضو المنتدب و رئيس الإدارة المالية لأمريكانا للمطاعم – مصر