}

الخسائر الاقتصادية والصحية لقطع الأشجار في مصر.. من المسئول؟

أخر تحديث 2026/09/16 02:23:00 م
الخسائر الاقتصادية والصحية لقطع الأشجار في مصر.. من المسئول؟

آراب فاينانس: بينما تسعى معظم دول العالم لتوسيع مساحاتها الخضراء لمواجهة أزمة التغير المناخي والارتفاع القياسي في درجات الحرارة، تواجه مصر مفارقةً بيئيةً حادة، حيث أخلت آلاف الأشجار الأثرية والمعمرة أماكنها لصالح توسيع الطرق. هذا التحول السريع لم يغير فقط ملامح الهوية البصرية للمدن المصرية، بل يطرح أسئلةً مصيرية حول التكلفة البيئية والصحية التي يدفعها المواطن اليوم، وعن أثر غياب غطاء الأشجار على زيادة تأثير "الجزر الحرارية" وتدهور جودة الهواء في واحدة من أكثر مناطق العالم ازدحامًا.

 فقد أثارت عمليات قطع الأشجار بعدة مناطق على مستوى الجمهورية حالة من عدم الرضاء بين المواطنين ونشطاء وخبراء العمل البيئي في مصر لما لها من تأثيرات ضارة على البيئة والمناخ في مصر، الأمر الذي دعا النيابة العامة بإجراء تحقيقات موسعة في البلاغ المقدم بشأن وقائع قطع الأشجار في عدد من المناطق على مستوى الجمهورية، وكلفت الجهات الرقابية المختصة بإجراء التحريات اللازمة حول حقيقة تلك الوقائع، وبيان أسباب قطع تلك الأشجار وكمياتها -حال ثبوت وقوعها-، والإجراءات التي اتُّخذت في هذا الشأن.

في هذا التقرير، نفتح ملف "قطع الأشجار في مصر" لنقرأ ما وراء المشهد، وكيفية تحقيق التوازن بين ضرورات التنمية العمرانية، وبين حقوق الطبيعة والبيئة والأجيال القادمة في رئة خضراء تحميهم من حَرِّ المستقبل.

قطع الأشجار المعمرة يفقد المدن هويتها البصرية

من جانبه يقول الدكتور ممدوح رشوان، الأمين العام للاتحاد العربي للشباب والبيئة التابع لجامعة الدول العربية في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن الأشجار التي تم قطعها تعد ثروة كبيرة للتنوع البيولوجي في مصر، وهى أشجار نادرة وكانت مصر تتميز بها، ولدينا مشروع بالاتحاد العربي للشباب والبيئة ننفذه في مصر يتمثل في إعادة إكثار الأشجار المصرية العريقة مثل أشجار النبق، والجميز، والتوت، وذقن الباشا، وهى أشجار عريقة منذ الفراعنة والقدماء المصريين، ومرتبطة بالهوية المصرية لافتًا إلى أن هذه النوعية من الأشجار ليست شرهة للمياه مثل الفيكس وغيرها والمعتاد زراعتها والتي تحتاج كميات كبيرة من المياه لريها وإحيائها موضحًا أننا لدينا في مصر نماذج لمناطق مثل المعادي التي كانت تتميز بنسبة تشجير عالية بشوارعها وكان كل شارع يتميز بلون زهور معين مما يعطي جمال وراحة نفسية للمواطنين إلى جانب تقليل معدلات التلوث وأكاسيد الكربون بالمنطقة، وقطع الأشجار بهذه الطريقة الجائرة يفقد المدن المصرية هويتها البصرية مؤكدًا أن تنفيذ المشروعات الجديدة ومنها الطرق تتطلب دراسة تقييم الأثر البيئي للمنطقة المحيطة وتأثيرها على سكان المنطقة مما كان يستوجب وفق القوانين المنظمة في مصر عقد جلسات تشاور مجتمعية مع أهالي المنطقة التي تم قطع الأشجار بها للنظر لرؤيتهم ومطالبهم، لكن هذا لم يحدث.

وأضاف الخبير البيئي، أن الدراسات العلمية تؤكد أن الأماكن التي بها تشجير تنخفض فيها درجات الحرارة عن الأماكن التي ليس بها تشجير بنحو 6 درجات، لافتًا إلى أن الأشجار التي تم قطعها ونزعها من بعض المدن بالقاهرة خاصة شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين بالجيزة وبعض الأماكن الأخرى لا يعوضها زراعة أشجار جديدة خاصة أن هذه الأشجار راسخة ومعمرة منذ سنوات، بخلاف الأشجار الجديدة التي تكون نسبة الفقد فيها كبيرة، وتحتاج لرعاية لا تقل عن 3 سنوات حتى تنجح عملية زراعتها.

الأشجار في مواجهة التلوث

ومن جانبها تؤكد الدكتورة نهى سمير دنيا أستاذة الهندسة البيئية والعميدة السابقة لـ كلية الدراسات العليا والبحوث البيئية بجامعة عين شمس في تصريحات خاصة لـ آراب فاينانس أنه عندما نقطع شجرة معمرة، نحن لا نفقد منظرًا جماليًا فقط، نحن نفقد وحدة من البنية التحتية الطبيعية التي كانت تساعد على تبريد المدينة، مضيفة أن الأشجار والشجيرات تساعد في اعتراض وترسيب جزء من الجسيمات والملوثات، وتخزين الكربون، وتساهم في تحسين البيئة المحلية، وعندما يقل الغطاء النباتي، نفقد هذه الوظائف، بالإضافة إلى زيادة تعرض السكان للحرارة والغبار والضوضاء في بعض المواقع. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأشجار والغطاء النباتي يمكن أن يساعدا في ترشيح ملوثات الهواء، بما فيها الجسيمات العالقة، لكن هناك نقطة علمية مهمة: الأشجار ليست بديلًا عن السيطرة على مصدر التلوث نفسه. فإذا كان لدينا عادم سيارات أو انبعاثات صناعية، الأولوية هي خفض المصدر، ثم يأتي التشجير كجزء من الحل المتكامل.

وترى أستاذة الهندسة البيئية، أن الشجرة المعمرة يجب ألا ننظر إليها باعتبارها مجرد عنصر تجميلي يمكن تعويضه بسهولة لأن الشجرة المعمرة هي بنية تحتية بيئية، فهي تخزن الكربون، وتوفر الظل، وتساعد في تنظيم المناخ المحلي، وتساهم في تحسين جودة الهواء، وتوفر موائل للكائنات الحية، وتقدم خدمة صحية واقتصادية للمدينة، ولذلك قبل أن نقطع شجرة يجب أن نسأل سؤالًا هندسيًا وبيئيًا بسيطًا: هل درسنا كل البدائل التي تسمح لنا بالحفاظ عليها؟ فنحن لا نريد أن نوقف التنمية، ولكننا نريد تنمية أكثر ذكاءً؛ تنمية تجعل الأشجار جزءًا من التصميم وليس عائقًا أمامه، وبالتالي التعويض الحقيقي لا يعني أن نقطع شجرة عمرها خمسون عامًا ثم نزرع مكانها شتلة صغيرة ونقول إننا عوضناها؛ التعويض الحقيقي هو أن نحافظ أولًا على الشجرة القائمة، وإذا أصبح الإزالة ضرورة لا يمكن تجنبها، فيجب أن يكون هناك تقييم للقيمة البيئية المفقودة وتعويض يتناسب معها، لأن المدينة المستدامة ليست مدينة مليئة بالخرسانة فقط، وإنما مدينة يستطيع الإنسان أن يعيش فيها بأمان وراحة وصحة، فلا نجعل القضية "ضد التنمية"، وإنما نحوّل حماية الأشجار إلى جزء من التخطيط والهندسة وتقييم التكلفة الاقتصادية للمشروع.

وأكدت دنيا أن تراجع المساحات الخضراء يمكن أن يزيل بعض العوامل الواقية، مثل تخفيف الحرارة وتحسين البيئة المحلية وإتاحة النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي وتقليل التعرض لبعض الملوثات، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى ارتباط المساحات الخضراء بتحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، ودعم النشاط البدني، وتقليل التعرض للحرارة وتلوث الهواء. كما أن تلوث الهواء، يرتبط بأمراض القلب والجهاز التنفسي، بينما ترتبط البيئات الحضرية غير الصحية بمجموعة واسعة من المخاطر الصحية.

وحسب تقرير حديث للبنك الدولي نشر على موقعه الرسمي في إبريل 2026 بعنوان: من أجل هواء أكثر نقاءً في القاهرة فإن التلوث في القاهرة الكبرى ليس مجرد أرقام وإحصاءات؛ بل يتغلغل في نسيج الحياة اليومية، وتداعياته الصحية بالغة الخطورة، إذ قُدِّر عدد الوفيات المبكرة السنوية في مصر الناجمة عن التعرض للجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء المحيط بنحو 12,600 حالة في عام 2017. وتُعدّ الجسيمات الدقيقة صغيرة للغاية على نحو يسمح بالنفاذ إلى أعماق الرئتين والدخول إلى مجرى الدم، مما يرفع من مخاطر الإصابة بأمراض القلب وأمراض الجهاز التنفسي والوفاة المبكرة.

 وتُقدَّر تكلفة الآثار الصحية لهذا التلوث على مستوى مصر بنحو 1.4% من إجمالي الناتج المحلي الوطني سنوياً. هذه الخسائر تظهر بصورة واضحة في تصاعد الضغط على المستشفيات وتكاليف العلاج الطبي، فضلاً عن تراجع الإنتاجية وانخفاض الدخل والتأثيرات بعيدة المدى على رأس المال البشري وفق ذات التقرير.  

 ينبغي تفعيل قانون البيئة في مصر

وحول القوانين الرادعة لقطع الأشجار في مصر أوضحت دنيا أن مصر لديها بالفعل نصوص قانونية تحمي النباتات والأشجار في حالات معينة، ولذلك لا يصح القول إن مصر بلا حماية قانونية للأشجار، فقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، وتعديلاته، يتضمن في المادة 28 حظر قطع أو إتلاف النباتات في الحالات التي ينطبق عليها النص واللائحة التنفيذية. كما توجد نصوص أخرى في قوانين مختلفة تتعلق بالأشجارلكن من الناحية العملية، القضية تحتاج إلى منظومة أكثر وضوحًا وتكاملًا تشمل حصر الأشجار المعمرة، وتصنيف الأشجار ذات القيمة البيئية أو التاريخية، وتحديد الجهة صاحبة الاختصاص في الترخيص، وتقييم البدائل قبل القطع، والرقابة أثناء التنفيذ، وإلزام الجهة المنفذة بالتعويض البيئي الحقيقي، ومتابعة الأشجار التي تتم زراعتها بديلًا، أي أن التحدي ليس فقط وجود النص، وإنما أيضًا وضوح التطبيق والرقابة وتكامل التشريعات.

بينما يوضح الدكتور عبد المسيح سمعان الأستاذ بكلية الدراسات العليا والبحوث البيئية بجامعة عين شمس أن قانون البيئة في مصر وضع عقوبات تصل للحبس لمواجهة قطع الأشجار والإضرار بها، مطالبا بتفعيل القانون وكذلك زيادة الوعي السلوكي تجاه البيئة، وأن يكون هناك معايير محددة لقطع الأشجار مثل مرض الأشجار كـ سوسة النخيل أو تهالك الأشجار وخطورتها وإمكانية سقوطها على المارة، مما يستوجب قطعها، مع تعويض زراعتها. 

وأضاف سمعان أن ظاهرة الجزر الحرارية تظهر مع تكدس الكتل السكنية وقطع الأشجار بهذه المناطق، لافتًا إلى أن الأشجار تقلل من التلوث الهوائي لأن الأشجار تعمل كمصدارات للأتربة، إلى جانب أنها تمتص الملوثات خاصة من المعادن الثقيلة، مما يزيد من جودة الهواء مؤكدًا أن الأشجار تعد موئل للعديد من الطيور والكائنات الأخرى مما يساهم في دعم التنوع البيولوجي في مصر، وكذلك دعم المظهر الحضاري والسياحة في مصر.

ويشير رشوان إلى أن هذا القطع للأشجار يتعارض مع مبادرة رئيس الجمهورية التي طالب فيها بزراعة 100 مليون شجرة، على مدار 7 سنوات من 2022 حتى 2029، موضحًا أن قطع الأشجار ينبغي أن يكون للضرورة القصوى عند تنفيذ بعض المشروعات الحيوية والعمرانية مع مراعاة الأساليب العلمية لنزع الأشجار المعمرة بطريقة لا تؤثر على حياة الشجرة حيث يمكن زراعتها في مكان آخر أو في ذات المكان بعد الانتهاء من تنفيذ المشروع المستهدف.

ويؤكد رشوان أن إزالة الغطاء النباتي له تكاليف اقتصادية غير مباشرة متمثلة في زيادة الأكاسيد الكربونية نتيجة قلة الأشجار ونقص الأكسجين الناتج عن إزالة وقطع الأشجار، لافتًا إلى أن الدراسات تؤكد أن كل 10 أشجار يتم زراعتهم يزيلوا عوادم سيارة، مقترحًا دفع رسوم عند ترخيص سيارة جديدة توازي ثمن 10 أشجار، على أن تعود هذه الإيرادات إلى هيئة مختصة بهذا الأمر منوهًا بأن ضم وزارة البيئة لوزارة التنمية المحلية أضر بالبيئة في مصر، خاصة مع تعارض الاختصاصات بين التنمية المحلية وبين البيئة حيث ينبغي أن تكون هناك وزارة مستقلة للبيئة تراقب على جميع الوزارات.    

يجب إنشاء هيئة قومية للتشجير في مصر

وطالب رشوان بضرورة إنشاء هيئة قومية للتشجير في مصر تكون هى المسئولة عن زراعة الأشجار في مصر بدلًا من توزيع الاختصاصات على أكثر من جهة ووزارة، ليكون هناك "أب شرعي" للتشجير في مصر يكون مسئول عن كافة الأعمال الخاصة بالتشجير وأن يكون لدى هذه الهيئة إحصاء بالأشجار بكل منطقة ونوعيتها.

وتمتلك مصر حاليًا نحو 175 مليون شجرة، من بينها قرابة 150 مليون شجرة مثمرة، تشمل أشجار النخيل والموالح والزيتون والحمضيات، وتغطي نحو مليوني فدان من الأراضي الزراعية، إلى جانب نحو 25 مليون شجرة من الأشجار الخشبية وأشجار الزينة، وفقًا لتصريحات الدكتور سيد خليفة نقيب الزراعيين.

وأكد الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء على ضرورة الالتزام بتنفيذ التكليفات الخاصة بحظر قطع الأشجار نهائياً إلا بالعودة إلى وزيرة التنمية المحلية والبيئة، وكذا العمل على زيادة المسطحات الخضراء على مستوى المحافظات، عبر وضع خطة تنفيذية للتشجير تشمل المحاور والطرق الرئيسية ومداخل المدن والقرى والجُزر الداخلية للطرق، واستغلال أي مساحة خالية فورًا في التشجير، مع الاستعانة بالاستشاريين لاختيار أنسب أنواع الأشجار، واستخدام مياه الري من محطات المعالجة الثلاثية وفق بيان رسمي لمجلس الوزراء.