}

المركز المصري للدراسات الاقتصادية يناقش مستقبل العملات الرقمية في مصر

أخر تحديث 2026/05/05 03:12:00 م
المركز المصري للدراسات الاقتصادية يناقش مستقبل العملات الرقمية في مصر

آراب فاينانس: ناقش مصرفيون، واقتصاديون، مستقبل العملات الرقمية في مصر خلال ندوة نظمها المركز المصري للدراسات الاقتصادية بعنوان: "مناقشة حول العملات الرقمية"، تحدث فيها البروفيسور هارالد أوليج، أستاذ الاقتصاد بجامعة شيكاغو الأمريكية، وعقب على حديثه كل من يحيى أبو الفتوح نائب الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، وعمرو مصطفى رئيس قطاع الخزانة، وأسواق المال بالبنك الأهلي المصري، وشارك فيها نخبة من الخبراء المصرفيين والاقتصاديين، حيث أدارت الندوة الدكتورة عبلة عبد اللطيف المديرة التنفيذية ومديرة البحوث بالمركز.

وشهدت الندوة نقاشًا موسعًا حول تأثير العملات الرقمية على الاقتصاد الكلي، بما في ذلك التضخم وسرعة دوران النقود، إلى جانب تساؤلات حول إمكانية استخدامها كأصول احتياطية، وتأثيرها على التسويات الدولية، ومستقبل تنظيمها في مصر.

وأكدت الدكتورة عبلة عبد اللطيف مديرة المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن الندوة تأتي في إطار اهتمام المركز بطرح القضايا الاقتصادية المستجدة التي تشهد تفاعلًا عالميًا واسعًا، وعلى رأسها العملات الرقمية، التي أصبحت تفرض نفسها كأحد أهم التطورات في النظام المالي العالمي، رغم ما يحيط بها من جدل وتباين في الرؤى.

تحديات تواجه التعامل مع العملات الرقمية

واستعرض البروفيسور هارالد أوليج التطورات الرئيسية في عالم العملات الرقمية، موضحًا أن البيتكوين تمثل النموذج الأبرز للعملات المشفرة، إلا أنها واحدة من بين عدد ضخم من الأصول الرقمية التي تبلغ قيمتها السوقية 2.6 تريليون دولار، بما يجعلها ظاهرة لا يمكن تجاهلها.

وأشار أوليج إلى أن أحد أهم التحديات في فهم هذه العملات يتمثل في التناقض بين استقرار المعروض والتقلب الحاد في الأسعار، موضحًا أن النماذج الاقتصادية تشير إلى أن سعر البيتكوين يتبع ما يعرف بـ"المارتينجال المعدل بالمخاطر"، أي أن السعر الحالي يعد أفضل مؤشر للسعر المستقبلي مع وجود علاوة مخاطر موضحًا أن السعر الحالي للبيتكوين يدور حول 78 ألف دولار، وأن التقديرات المستقبلية تشير إلى نطاق واسع قد يصل إلى نحو 521 ألف دولار خلال خمس سنوات بزيادة تتخطى نسبتها 600%، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين المرتفعة في هذا السوق، لكنه في الوقت ذاته يبرز حجم الفرص والمخاطر.

وتناول أوليج في الوقت ذاته  تأثير العملات الرقمية على السياسات النقدية، مشيرًا إلى أن انتشار العملات المستقرة، خاصة المرتبطة بالدولار، قد يفرض ضغوطًا على البنوك المركزية ويدفعها لمواءمة سياساتها النقدية، بما قد يحد من استقلاليتها.

70 % من البنوك المركزية حول العالم تدرس حاليًا إصدار عملات رقمية

وأضاف أن نحو 70% من البنوك المركزية حول العالم تدرس حاليًا إصدار عملات رقمية خاصة بها، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذه الأدوات، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بكيفية تصميمها وتنظيمها.

واستعرض الخبير الاقتصادي الأمريكي تجارب دولية في هذا السياق، موضحًا أن الولايات المتحدة  لا تتجه حاليًا لإصدار عملة رقمية للبنك المركزي، في ظل تفضيل الاعتماد على القطاع الخاص والعملات المستقرة، بينما يتجه الاتحاد الأوروبي بشكل أكبر نحو إصدار عملة رقمية، مع اقتراب اتخاذ قرارات تشريعية في هذا الشأن.

وأشار إلى أن العملات الرقمية للبنوك المركزية قد تؤدي إلى ما يعرف بـ"نزع الوساطة" من القطاع المصرفي، في حال اتجاه الأفراد للاحتفاظ بأموالهم مباشرة لدى البنك المركزي، وهو ما يمثل تحديا للبنوك التقليدية ويتطلب إعادة التفكير في هيكل النظام المالي.

كما لفت إلى أن التوسع في العملات الرقمية يفرض معادلة معقدة أمام البنوك المركزية، تتمثل في تحقيق التوازن بين الثقة في العملة، وكفاءة النظام المالي، واستقرار الأسعار، مؤكدًا صعوبة تحقيق هذه الأهداف الثلاثة في آن واحد.

القانون المصري يحظر التعامل مع العملات المشفرة

ومن جانبه، أكد يحيى أبو الفتوح نائب رئيس البنك الأهلي أن هناك خلطًا بين مفهوم "العملات الرقمية" و"العملات المشفرة"، موضحًا أن النظام المصرفي يشهد بالفعل تحولًا رقميًا واسعًا، إلا أن العملات المشفرة تظل مختلفة من حيث المخاطر والتنظيم.

وأشار إلى أن التعامل مع العملات المشفرة في مصر لا يزال محظورًا قانونًا، وهو ما يمثل التحدي الأول أمام انتشارها، إلى جانب تحديات أخرى تتعلق بالتقلبات السعرية الحادة، ومخاطر السيولة، وضعف آليات حماية المتعاملين، متسائلا عن الجهة التي يمكن الرجوع إليها في حال فقدان الأموال أو التعرض للاحتيال.

وفي المقابل، لفت إلى وجود فرص واعدة، من بينها تعزيز الشمول المالي، وتسريع وخفض تكلفة التحويلات عبر الحدود، إلى جانب الاستفادة من تكنولوجيا البلوك تشين في مجالات متعددة مثل تمويل التجارة.

وشدد أبو الفتوح على أهمية بناء القدرات ونشر الثقافة المالية قبل أي توسع محتمل في هذا المجال، بما يضمن استيعاب السوق لهذه الأدوات الجديدة وتقليل المخاطر المرتبطة بها.

وردًا على سؤال لـ "آراب فاينانس" حول إمكانية تطبيق التعامل بالعملات الرقمية في مصر أوضح أبو الفتوح أنه لا يوجد ضمانات حتى الآن لحماية المتعاملين بالعملات الرقمية، وهناك العديد من التحديات التشريعية لتطبيقها في مصر إذ أن القانون المصري يمنع تداول العملات الرقمية، فضلًا عن المخاطر المتعلقة بالتطبيق، لافتًا إلى أنه ينبغي أولًا بناء القدرات، ونشر الثقافة المالية. كما يجب إنشاء وتنظيم الرقابة على هذه العملات خاصة أن الأمر يتعلق بمصالح الشعب، وكل البنوك المركزية حول العالم تعمل على تكوين الخبرات في هذا القطاع، في حدود عدم تأثر المصالح الخاصة بالشعوب.

المستقبل سيكون للعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية

في حين أكد عمرو مصطفى، رئيس قطاع الخزانة، وأسواق المال بالبنك الأهلي المصري أن الاستخدام الفعلي للعملات المشفرة كوسيلة للدفع لا يزال محدودًا، وأن معظم التعاملات الحالية تندرج في إطار المضاربة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى ملاءمتها كعملة في صورتها الحالية.

وأوضح أن المستقبل قد يكون للعملات المستقرة والعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، نظرا لقدرتها على الجمع بين الكفاءة وسهولة الاستخدام من ناحية، ووجود إطار تنظيمي واضح من ناحية أخرى، بما يوفر قدرا أكبر من الثقة للمستخدمين.

وأشار مصطفى إلى أن غياب التنظيم الكافي في سوق العملات المشفرة يمثل تحديًا رئيسيًا، خاصة فيما يتعلق بحماية المستثمرين، مؤكدًا أن أي انخراط للبنوك المركزية في هذا المجال يجب أن يتم من خلال أدوات خاضعة للرقابة.

بينما أكد عمر الشنيطي، الخبير الاقتصادي والمستشار بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أن التعامل مع العملات المشفرة يشهد انتشارًا متزايدًا، خاصة بين فئة الشباب، رغم عدم خضوعه لإطار رسمي، مشيرًا إلى أن إدماج هذه الأنشطة داخل النظام الرسمي قد يساهم في تعزيز الرقابة وحماية المتعاملين، بدلا من تركها خارج المنظومة.

كما أشار إلى أن تقييم العملات المشفرة لا يعتمد فقط على الأسس الاقتصادية التقليدية، بل يتأثر بشكل كبير بالعوامل السلوكية وتوقعات المستثمرين، وهو ما يفسر جزءًا من تقلباتها الحادة.

وأكدت الدكتورة عبلة عبد اللطيف المديرة التنفيذية للمركز المصري للدراسات الاقتصادية ومديرة البحوث بالمركز، أن البنك المركزي المصري بحاجة إلى التحرك بشكل أكثر استباقية في التعامل مع ملف العملات الرقمية، بدلًا من الاكتفاء برد الفعل بعد تطور التجارب الدولية، موضحة أن الانخراط لا يعني تحمل مخاطر غير محسوبة، وإنما البدء في دراسة وتطبيق نماذج العملات الرقمية للبنوك المركزية التي توفر بديلًا منظمًا وآمنًا.

وأضافت أن توفير أدوات رسمية منظمة سيشجع المتعاملين على التحول من الممارسات غير المنظمة إلى قنوات أكثر استقرارًا وموثوقية، بما يعزز من كفاءة النظام المالي ويحسن من قدرته على استيعاب التطورات التكنولوجية.

وأشارت عبد اللطيف إلى أن التطور المتسارع في التكنولوجيا، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، يعكس سرعة التحولات التي يشهدها العالم، وهو ما يستدعي عدم تأخر مصر عن مواكبة هذه التغيرات، مؤكدة أن العملات الرقمية لم تعد ظاهرة هامشية أو فقاعة مؤقتة، بل أصبحت واقعا اقتصاديًا يتطلب الفهم والاستعداد.

وشددت على أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء المعرفة والقدرات المؤسسية للتعامل مع هذه الأدوات الجديدة، بدلا من رفضها أو التعامل معها بحذر مفرط نتيجة عدم وضوحها، مؤكدة أن دور مراكز الفكر يتمثل في طرح هذه القضايا للنقاش وتهيئة بيئة واعية قادرة على التعامل مع التحولات المستقبلية.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن العالم يتجه نحو نموذج هجين يجمع بين النظام المالي التقليدي والتقنيات الحديثة، بما يفرض على صناع السياسات ضرورة التوازن بين تشجيع الابتكار والحفاظ على الاستقرار المالي، مع أهمية تطوير أطر تنظيمية مرنة تستوعب هذا التحول المتسارع.

أخبار مشابهة