}

تحويلات المصريين بالخارج.. كيف تتحول من دخل استهلاكي إلى استثمارات تدعم الاقتصاد الوطني؟

أخر تحديث 2026/08/18 03:47:00 م
تحويلات المصريين بالخارج.. كيف تتحول من دخل استهلاكي إلى استثمارات تدعم الاقتصاد الوطني؟

آراب فاينانس: لم تعد تحويلات المصريين بالخارج مجرد رقمٍ إحصائي في كشوف البنك المركزي، بل تحولت إلى شريان حياة يمد الاقتصاد المصري بالسيولة الدولارية في أحلك الأوقات الحرجّة، ومع وصول هذه التدفقات إلى مستويات قياسية، تتجه الأنظار نحو آليات استغلال هذا المورد الاستراتيجي الهام، وتحويله من مجرد سيولة مخصصة للاستهلاك المباشر إلى قوة استثمارية مستدامة، تدعم الاحتياطي النقدي، وتدفع عجلة الإنتاج في شرايين الاقتصاد القومي، حيث أصبحت التحويلات المالية للمصريين بالخارج تشكل أحد أهم أركان العملة الصعبة، واليوم لم يعد السؤال مطروحًا حول حجم هذه التحويلات، بل حول كيف يمكن للسياسات النقدية والاستثمارية أن تحوّل أموال المغتربين من مجرد دعم عائلي ودخل استهلاكي إلى استثمارات ملموسة في أصول، وصناديق، ومشاريع إنتاجية تحقق النفع المتبادل للوطن وللمواطن بالخارج.

ووفقًا لبيانات البنك المركزي المصري واصلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج وتيرتها المتصاعدة حيث ارتفعت خلال الفترة يوليو/مايو من السنة المالية 2025/2026 بمعدل 31.2% لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال نفس الفترة من السنة المالية 2024/2025.

وعلى المستوى الشهري، ارتفعت التحويلات خلال شهر مايو 2026 بمعدل 13.5% لتصل إلى نحو 3.9 مليار دولار مقابل نحو 3.4 مليار دولار خلال شهر مايو 2025.

حبشي: أطلقنا العديد من المبادرات لتشجيع المصريين بالخارج للاستثمار في مصر

من جانبه قال السفير نبيل حبشي، نائب وزير الخارجية للهجرة وشئون المصريين بالخارج في تصريحات حصرية لـ "آراب فاينانس" إن الدولة تقدم العديد من الأوعية الاستثمارية للمصريين بالخارج سواء بالعملة الأجنبية أو بالجنيه المصري، سواء داخل مصر أو خارجها من خلال البورصة أو الصناديق الاستثمارية، لافتًا إلى أن الدولة تشجع المصريين بالخارج للاستثمار في مصر.

وأضاف حبشي أن الوزارة أطلقت العديد من المبادرات خلال المؤتمر الأخير للمصريين بالخارج الذي عقد خلال الشهر الجاري حيث أطلقت الدولة مبادرة حدث بياناتك في مصر، إلى جانب مبادرات افتح حسابك في مصر، بالتعاون مع بنكي الأهلي المصري وبنك مصر، ومبادرة معاشك بكرة بالدولار وهي برنامج تأميني وادخاري أطلقته وزارة الخارجية بالتعاون مع مصر لتأمينات الحياة، حيث تستهدف المبادرة المصريين العاملين في الخارج لتوفير معاش بالدولار عند سن التقاعد أو في حالات العجز والوفاة، هذا بخلاف مبادرات سابقة مثل بيتك في مصر ومزرعتك في مصر.

وأكد حبشي أهمية هذه المبادرات في ربط المصريين بالخارج بوطنهم بحيث يكون الجميع رابح في هذه المعادلة المواطن والدولة في ذات الوقت، وهو منظور جديد من جانب الدولة للتعامل مع المواطنين المصريين بالخارج من أجل ربطهم بوطنهم وبالهوية المصرية، وتعزيز الانتماء لأنها تمثل القوى الناعمة لمصر في النهاية.  

الاستفادة من خبرات المصريين

بينما يرى أحمد السمري، عضو الاتحاد العام للمصريين بالخارج في تصريحات حصرية لـ "آراب فاينانس" أن المبادرات التي أطلقتها الدولة، مثل بيتك في مصر وغيرها، حققت نجاحًا ملحوظًا، ويمكن البناء على هذا النجاح من خلال إطلاق مبادرات جديدة مثل “مصنعك في مصر” أو “شركتك في مصر”، بحيث تستهدف تشجيع المصريين بالخارج على الاستثمار في القطاعات الصناعية والخدمية والتكنولوجية، فالمصريون بالخارج يمتلكون خبرات ورؤوس أموال وشبكات علاقات دولية تمثل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويمكن أن تكون رافدًا مهمًا لدعم التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل.

وأضاف السمري أن مؤتمر المصريين بالخارج الذي عقد منذ أيام في مصر جاء ليؤكد اهتمام الدولة المصرية بأبنائها في مختلف أنحاء العالم، وحرصها على تعزيز جسور التواصل معهم والاستفادة من خبراتهم وإمكاناتهم باعتبارهم امتدادًا للوطن وشريكًا أساسيًا في مسيرة التنمية، ومن واقع مشاركتي في المؤتمر، أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي العمل على مجموعة من المبادرات والخطط التي تلبي تطلعات المصريين بالخارج وتعزز ارتباطهم بوطنهم.

وأوضح أن التعليم يمثل أحد أهم الروابط التي تربط أبناء الجيلين الثاني والثالث بوطنهم الأم، لذا فإن زيادة نسبة القبول المخصصة لأبناء المصريين بالخارج في الجامعات الحكومية، مع توفير إجراءات أكثر مرونة ووضوحًا، سيعزز انتماءهم لمصر، ويمنحهم فرصة الارتباط بالمجتمع المصري علميًا وثقافيًا.

ينبغي تعزيز التمثيل النيابي

وحول تعزيز التمثيل النيابي للمصريين في الخارج قال السمري إن عدد المصريين بالخارج يتجاوز 14 مليون مواطن، وهو ما يستدعي إعادة النظر في حجم تمثيلهم داخل مجلسي النواب والشيوخ بما يتناسب مع هذا الثقل الوطني الكبير. كما أقترح إنشاء دوائر انتخابية مستقلة للمصريين بالخارج، بحيث يكون التصويت والترشح من خلال أبناء الجاليات أنفسهم، بما يضمن اختيار ممثلين يعبرون عن قضاياهم واحتياجاتهم الحقيقية، ويقدمون برامج انتخابية موجهة لهم، الأمر الذي يعزز المشاركة السياسية ويقوي الصلة بين الناخب والنائب، ويضمن تمثيلًا أكثر فاعلية وتأثيرًا.

ضرورة إنشاء منصة إلكترونية

وتابع: أنه ينبغي إنشاء منصة إلكترونية موحدة تضم جميع الخدمات الموجهة للمصريين بالخارج، بحيث تشمل الخدمات القنصلية، والتعليم، والاستثمار، والإسكان، والتأمينات، والتجنيد، والخدمات الحكومية المختلفة، مع ربطها بالوزارات والهيئات المعنية، وستسهم هذه المنصة في تبسيط الإجراءات، وتقليل الوقت والجهد، وتحسين تجربة المواطن المصري بالخارج، وتعزيز التواصل المباشر مع مؤسسات الدولة.

وأكد السمري، على أن المصريين بالخارج ليسوا مجرد جالية تعيش خارج حدود الوطن، بل هم قوة وطنية واقتصادية وعلمية هائلة، وسفراء لمصر في مختلف دول العالم، وكلما توسعت الدولة في إشراكهم، والاستماع إلى آرائهم، وتقديم المبادرات التي تلبي احتياجاتهم، ازدادت قدرتهم على المساهمة في دعم الاقتصاد الوطني، ونقل الخبرات، وتعزيز مكانة مصر إقليميًا ودوليًا. ومن هنا، فإن الاستثمار في المصريين بالخارج هو استثمار مباشر في مستقبل الوطن.

تطور لافت في مجال المبادرات الحكومية للمصريين بالخارج

بينما قال الدكتور أيمن زهري، خبير السكان ودراسات الهجرة، إن هناك تطور كبير يحدث حاليًا في مجال المبادرات الحكومية التي تساهم في ربط المصريين بالخارج بوطنهم الأم مصر، منوهًا بأن هناك تعاون حكومي فيما يتعلق بالإجراءات الخاصة بالتسهيلات الإدارية لهم مثل إصدار الوثائق الثبوتية وتحديث البيانات المصرفية بالبنوك من خارج البلاد، وهي إجراءات حدث بها تقدم إيجابي كبير عن ذي قبل حيث كان استخراج الأوراق الثبوتية في السابق يستغرق شهور لإصدارها بينماا الآن الوضع أصبح مختلف، إلى جانب الإجراءات الحكومية المتبعة حاليًا للاستفادة من خبرات المصريين بالخارج مثل دعوة أطباء من العاملين بالخارج لزيارة وزارة الصحة والسكان المصرية، وإقامة تؤمات مع هذه الخبرات المختلفة في العديد من التخصصات، وهو ما يخدم البلاد في ذات الوقت.

وأوضح زهري، أن المصريين العاملين بالخارج لديهم ارتباط وثيق وانتماء لبلادهم، ويتضح ذلك من رغبتهم في تملك وبناء البيوت في مصر، حتى بالنسبة للمهاجرين هجرة دائمة ببلاد مثل إنجلترا وأمريكا هناك ارتباط وثيق وحرص من جانب المهاجرين المصريين هناك على الزيارات المستمرة للبلاد إلى جانب حرصهم على تعليم أبنائهم التقاليد والعادات والقيم المصرية، وظهر ذلك من خلال الاستعداد لإطلاق المدرسة الإلكترونية المصرية خلال العام المقبل، والتي ستسهل كثيرًا لأبناء المصريين العاملين بالخارج في تعلم المناهج المصرية.

وأشار زهري، إلى أن تحويلات النقد الأجنبي للمصريين بالخارج تساهم في تطوير ودعم الاقتصاد المصري، حيث تعد المصدر الرئيسي حاليًا للعملة الصعبة. كما تعتبر مصر من ضمن أكبر 5 دول في العالم مستقبلة لتحويلات المهاجرين حيث تجاوز النقد الأجنبي المحول من الخارج لمصر 43 مليار دولار.

وفيما يتعلق بحدوث عجز في بعض التخصصات الطبية نتيجة هجرة العديد من الأطباء للخارج قال إن الدولة المصرية أنشئت خلال الفترة الأخيرة العديد من كليات الطبي وهى يمكنها تعويض هذا العجز، منوهًا بأن هذا العجز قد يكون عجز مؤقت، متوقعًا القضاء على هذا العجز خلال فترة قريبة مع تخريج أعداد مناسبة من كليات الطب الجديدة في مصر.

ويقترح زهري ضرورة الاستفادة من الخبرات الطبية بالخارج من خلال التعاون مع وزارة الصحة المصرية، إلى جانب التعاون في مجالات أخرى مثل خبراء الطاقة وغيرها من المجالات.      

ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية

في حين تشير جيهان جمال عبد الملك من المصريات العاملات بالخارج في روسيا أنه ينبغي أن يكون لدى البعثات الدبلوماسية في الخارج دراية بالجالية المصرية في البلد التي يعيشون بها، وأن تُصمم برامج للتواصل مع الشباب، مع ترشيحهم للمشاركة في المؤتمرات والمشروعات الخاصة بمصر، لأن الشباب خاصة الذين ولدوا في الخارج خير من يمثل بلادهم، نظرًا لتشبعهم بثقافة البلاد التي يعيشون بها بخلاف تربيتهم على العادات والتقاليد المصرية.

وأضافت في ختام حديثها لـ آراب فاينانس أنه يجب تسهيل الإجراءات الإدارية خلال الرغبة في إقامة مشروعات استثمارية في مصر، مع القضاء على البيروقراطية التي قد تواجههم.

وتناولت دراسة حديثة للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء صدرت عام 2025 تطور مراحل هجرة المصريين للخارج منذ فترة الستينات وحتى 1974 وهجرة نحو 300 ألف ومرحلة التوسع حتى عام 1984، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط التى ترتب عليها تغذية برامج التنمية الطموحة فى البلدان العربية المنتجة للنفط، مما أدى إلى زيادة الطلب على العمالة الأجنبية وخاصة العمالة المصرية.

 واستمر تضاعف أعداد المصريين بالخارج وفق الدراسة حتى سجل 11.08 مليون مهاجر بنهاية عام 2022، حيث يتوزع أعداد المصريين بالترتيب بين المنطقة العربية وتستقبل 7.09 مليون مهاجر بنسبة 62% من إجمالى المهاجرين المصريين بالخارج، والأمريكيتين 2.1 مليون مهاجر يشكلون نسبة 19.10% من إجمالى المهاجرين المصريين بالخارج، وأوروبا 1.6 مليون مهاجر يشكلون نسبة 15.01% من إجمالى المهاجرين المصريين بالخارج، والمنطقة الاسيوية وأستراليا 24.061 ألف مهاجر، وإفريقيا 54.1 ألف مهاجر.

وحسب ذات الدراسة فقد بلغ عدد المهاجرين المصريين هجرة دائمة أكثر من عشر سنوات خلال الفترة "1962-1998" نحو 38.261 ألف مهاجر، وجاءت الولايات المتحدة الأمريكية فى الترتيب الأول من حيث استقبال المهاجرين الدائمين من مصر، حيث هاجر إليها 14 ألف مهاجر، يليها كندا والتى استقبلت 12 ألف مهاجر، أما بالنسبة لأستراليا فقد استقبلت أكثر من 11 ألف مهاجر، ثم جاءت البرازيل ودول أخرى غير محددة فى المرتبة الأخيرة بعدد ضئيل جدا 1.261 مهاجر.

أخبار مشابهة