آراب فاينانس: بدأت وزارة المالية، في طرح "سند المواطن" للأفراد عبر مكاتب البريد المصري على مستوى الجمهورية، في خطوة تستهدف إتاحة أداة إدخارية، واستثمارية آمنة بعائد شهري ثابت، ومميز لمدة 18 شهر.
ووفق بيان للوزارة يأتي هذا الإصدار في إطار جهود وزارة المالية لتنويع الأدوات الاستثمارية الحكومية، وتوسيع قاعدة المستثمرين من المواطنين، من خلال منتج يتميز بدرجة عالية من الأمان وسهولة الاسترداد، بما يوفر فرصة مناسبة للاستثمار المباشر الآمن في الأوراق المالية الحكومية.
واعتبر خبراء في التمويل والاستثمار، أن سند المواطن سيعمل على توسيع عملية الشمول المالي التي تستهدفها الحكومة إلى جانب أنه سيوفر أوعية ادخارية، وقنوات استثمارية سليمة تدر أعلى عائد ممكن للمواطنين.
سند المواطن أداة لجذب عملاء جدد
يرى تامر بدر، الخبير في أسواق المال والبورصة بشركة إيه إف لتداول الأوراق المالية، أن سند المواطن موجه لشريحة محددة، وهى الشريحة التي تعتمد بشكل كبير علي العائد الشهري للمساعدة في سد الاحتياجات الشهرية لها.
وأضاف في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس أن السند الجديد يعد أداة لجذب عملاء جُدد إذ إن هناك شريحة من المصريين ليس لديها أي تعامل بنكي، وكل تعاملاتها وثقتها فقط بمكاتب البريد التي ستتولى عملية طرح سند المواطن.
وأوضح بدر أن أهم ما يميز سند المواطن عن الشهادات الادخارية الأخرى أنه يمكن فكها خلال 4 أشهر وليس 6 أشهر كما يحدث في الشهادات الادخارية.
ويمنح سند المواطن عائدًا سنويًا ثابتًا بنسبة 17.75% صافي بعد الضرائب، يُصرف شهريًا، ولمدة 18 شهرًا حيث تبلغ القيمة الاسمية للسند 1000 جنيه، ويبدأ الحد الأدنى للاكتتاب من 10 آلاف جنيه، على أن يُصرف الكوبون في اليوم 15 من كل شهر، ويستمر باب الاكتتاب حتى 8 مارس المقبل.
أما الراغبون في شراء السندات الذين لا يمتلكون حسابًا بالبريد، فسيتم فتح حساب جديد لهم أولًا وفق القواعد المنظمة، باعتباره شرطًا أساسيًا لإتمام عملية الاكتتاب.
السند الجديد جزء من عملية الشمول المالي
ومن جانبه اعتبر مصطفى أمين، المحلل المالي بشركة برايم القابضة للاستثمارات، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس أن طرح الحكومة لـ سند المواطن، يعد جزء من عملية الشمول المالي الذي تستهدفه الدولة، عبر استغلال أموال المواطنين البعيدة عن العمليات المصرفية بالبنوك.
ووفق بيانات البنك المركزي المصري تشير مؤشرات قاعدة بيانات الشمول المالي للأفراد الطبيعيين إلى إحراز تقدم ملحوظ، حيث بلغت نسبة المواطنين (15 سنة فأكثر) المشمولين ماليا 77.6% في ديسمبر 2025، كما شهدت الفترة من 2016 حتى ديسمبر2025 زيادة في نسبة المواطنين المشمولين ماليا بمعدل نمو بلغ 219%، ليصبح عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تمكنهم من إجراء معاملات مالية 54.7 مليون مواطن من إجمالي 70.5 مليون مواطن في الفئة العمرية من 15 سنة فأكثر، وبمعدل نمو بلغ 219% خلال الفترة من 2016 إلى 2025.
وأضاف أمين، أن الحكومة ستستعين في عملية الاكتتاب في هذا السند بالبريد المصري الذي لديه العديد من الفروع في كافة المحافظات، والمدن، والقرى، والنجوع بكافة أنحاء الجمهورية، فضلًا عن أن البريد المصري لديه الكثير من العملاء الذين لا يستخدمون أوعية ادخارية سليمة، وبالتالي سُيعد هذا السند فرصة لوزارة المالية لاستخدام أدوات دين استثمارية قوية، عبر الدخول في صناديق للدخل الثابت، أو من خلال الدخول في شركات الدخل الثابت التابعة للبريد المصري، مثل شركة البريد الاستثماري.
وحسب تقرير رسمي لوزارة الاتصالات صدر يناير 2026 فقد بلغ عدد المكاتب المطورة للبريد المصري 4072 منفذ بريد من إجمالي 4651 منفذ بريد، منها 4261 مكتب بريد، و83 كشك بريدى، و130 سيارة متنقلة و177 مكتب فى مجمع خدمات حياة كريمة، وتم إضافة 1300 ماكينة صراف آلى جديدة ليبلغ إجمالى عدد ماكينات الصراف الآلى التابعة للبريد حوالى 3100 ماكينة منتشرين على مستوى الجمهورية لتصل نسبة تغطية المكاتب بالماكينات إلى 70%.
وكشف أخر تقرير للاستقرار المالي لعام 2025، الصادر عن البنك المركزي المصري ارتفاع قيمة أرصدة الحسابات الجارية والتوفير لدى قطاع البريد المصري لتسجل 282 مليار جنيه في نهاية مارس 2025 مقابل 272 مليار جنيه في نهاية مارس 2024، في حين وصل عدد العملاء إلى 30 مليون عميل بقيمة 300 مليار جنيه.
فوائد سند المواطن
وأوضح أمين، أن أبرز فوائد هذا السند أنه أولًا يخدم المواطنين من خلال وضع أموالهم في أوعية ادخارية، وقنوات استثمارية سليمة تدر أعلى عائد ممكن لهم، وتضم فئات متنوعة من المجتمع حيث يقطن بعضهم في القرى البعيدة عن الخدمات المصرفية البنكية، وفي ذات الوقت ستستغل الحكومة هذه الأموال في عمليات اقتصادية وتمويلية تنموية.
ويتفق الدكتور حسين العسيلي، الخبير المصرفي، مع تلك الرؤية مشيرًا إلى أن الفكرة في جوهرها، وإن كانت بسيطة إلا أنها عميقة الأثر، فالدولة حين تصدر سندًا موجهًا للأفراد بعائد تنافسي، وقيمة اسمية في متناول شريحة ليست بالقليلة، فإنها بذلك تمنح المواطن فرصة استثمار آمن، وفي الوقت نفسه تٌخضع مدخراته لخدمة الموازنة العامة للدولة أو لخدمة مشروعات تنموية محددة، فهي إذَا صيغة تمويل داخلي تقلل الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وتخفف الضغط على أدوات الدين قصيرة الأجل.
ويوضح العسيلي، أن توقيت طرح هذا السند مهم جدًا حيث يُطرح مفهوم سند المواطن المصري في توقيت يتزامن مع خفض أسعار الفائدة فى القطاع المصرفي، وبالتالي فإننا لا نتحدث هنا عن أداة مالية جديدة فحسب، بل عن محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، من علاقة متلقٍ إلى علاقة شريك في التمويل، لافتًا إلى أن سند المواطن لن يكون مجرد أداة مالية، بل هو رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، رسالة تقول إن تمويل الدولة لا يجب أن يظل رهين الأسواق الخارجية، وأن المدخرات الوطنية يمكن أن تكون ركيزة للاستقرار إذا أُديرت بكفاءة وشفافية ، كما أنه أيضًا بمثابة اختبار دقيق لقدرة الحكومة على تسعير الأداة بشكل عادل، واختبار آخر لقدرة البنوك على التكيف والصمود، واختبار كذلك لمدى ثقة المواطن في المسار الاقتصادي ككل.
تجارب دولية مشابهة لسند المواطن
ويؤكد العسيلي، أن هناك تجارب دولية ومحلية مشابهة لسند المواطن، وأن هذه ليست التجربة الأولى، فالتاريخ يخبرنا أن هذه الفكرة ليست وليدة اللحظة، فعلى المستوى العالمى أخذت بها الولايات المتحدة عندما طرحت خلال الحرب العالمية الثانية ما عُرف حينها بسندات الادخار الشعبية، وجمعت على أثرها مليارات الدولارات لتمويل المجهود الحربي، ثم تحولت بعدها إلى أداة ادخار عائلية مستقرة، وكذلك الهند بدورها فعّلت برامج سندات موجهة للأفراد عبر البنك المركزي، بعوائد أعلى قليلًا من الودائع المصرفية، فاستقطبت شريحة كبيرة من المدخرين الباحثين عن عائد ثابت وأمان سيادي.
أما في مصر، ووفق العسيلي فقد كانت تجربة شهادات استثمار قناة السويس عام 2014 نموذجًا حيًا لقدرة الدولة على تعبئة المدخرات الوطنية خلال أيام قليلة، حيث جُمِع نحو 64 مليار جنيه في مشهد جسّد قوة الثقة والتعبئة الشعبية.
في ذات الوقت توقع أمين أن ينشط سوق أدوات الدين خلال الفترة المقبلة خاصة بعد مشاركة الأفراد في عمليات التداول، وهو ما تستهدفه الدولة عبر تحفيز الأفراد نحو هذا الأمر، ما يؤدي في النهاية لتعميق السوق عبر عمليات التداول والتسعير لأدوات الدين.
تأثير سند المواطن على القطاع المصرفي
وحول منافسة سند المواطن بفروع البريد المصري للبنوك أشار أمين إلى أنه لن يكون منافسًا للبنوك بل مكملًا لأهدافها خاصة مع وجود بنية تحتية تكنولوجية جيدة في مصر منوهًا بأن خطوة طرح السندات وإنشاء محافظ استثمارية للأفراد تأخرت سنوات كثيرة، متوقعًا طرح مثل هذه السندات، وأذون الخزانة بالبورصة المصرية للتداول في حالة كونها أوراق مالية مقيدة على شريط التداول، وهى فكرة سبق أن طرحها الدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار الأسبق فيما عُرف بسهم المواطن لافتًا إلى أنه على المدى الطويل سيساهم ذلك في تزويد المواطن بالثقافة الاستثمارية حتى لو كانت في أدوات دخل آمنة، وليس بها مخاطر كسند المواطن الذي طرحته وزارة المالية.
في الوقت الذي يتفق فيه بدر مع أمين قائلًا: لا أعتقد بأن تكون مكاتب البريد بديلًا عن البنوك لأنها ستكون جاذبة لشريحة بعينها فقط، يختلف العسيلي مع هذه الرؤية إذ يوضح أن ما يميز اللحظة الراهنة هو السياق النقدي، لأن قرار خفض أسعار الفائدة قد يكون من شأنه أن يغير قواعد اللعبة، فعندما تنخفض العوائد على الودائع والشهادات البنكية، يبدأ المٌدخر في البحث عن بديل يمنحه عائدًا أفضل دون قفزة كبيرة في المخاطر، وهنا سُيصبح سند المواطن منافسًا مباشرًا لمنتجات البنوك الادخارية، فإذا جاء بعائد أعلى ولو بفارق محدود، فقد نشهد إعادة توزيع للسيولة داخل الجهاز المصرفي.
ويستخلص العسيلي من ذلك أنه ينبغي الاعتراف بأن الأثر على القطاع المصرفي لن يكون بالأمر الهين، فالبنوك تعتمد على الودائع كمصدر رئيسي لأموال التمويل، فإذا تحرك جزء من هذه الودائع نحو السند الجديد، فإما أن تخسر البنوك شريحة لايستهان بها من السيولة، أو أن تتحول إلى وسيط لتسويق السند مقابل عمولة يقرها البنك المركزى فى حينه، وبذلك تنتقل السيولة من بند الودائع إلى بند الاستثمار في أدوات دين حكومية، وفي الحالتين، سيتعين على البنوك إعادة تسعير منتجاتها، وقد يتعرض هامش صافي العائد لضغوط، خاصة في بيئة تتراجع فيها أسعار الفائدة على جانبي الأصول والخصوم معًا.
وقررت لجنة السياسة النقديـة للبنك المركــزي المصـري في اجتماعهـا الأخير في 12 فبراير 2026 خفض أسعار العائد الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، وبناء عليه، تم خفض سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي إلى 19.0% و20.0% و19.5%، على الترتيب؛ كما تم خفض سعر الائتمان والخصم ليصل إلى 19.5%.
ويوضح أمين أنه ومقارنة بالاستثمارات الأخرى كالذهب والعقارات ستمثل السندات وأدوات الدين الحكومية كسند المواطن طريقة من طرق تنويع الاستثمارات داخل المحافظ الاستثمارية، بأدوات دخل ثابت، حيث إنه في حالة حدوث مخاطر في تقلبات سعر الذهب والعقارات نتيجة بعض التوترات سيمتلك المستثمر هنا أداة استثمارية جديدة كالسندات، والأوعية الادخارية الأخرى.
وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية بلغ (10.1%) لشهر يناير 2026، مقابل (10.3%) لشهر ديسمبر 2025.
ويعتبر الدكتور عبد العاطي لاشين أستاذ الإدارة المالية والاستثمار بجامعة السويس أن الميزة الأساسية لسند المواطن، هي جذب صغار المستثمرين الى سوق الديون، وتوفير أدوات مالية جديدة للسوق تلبى طلبات نوع من صغار المستثمرين، وترفع من كفاءة السوق، إلى جانب أنه الأقل في المخاطرة.
ويضيف عبد العاطي أن احتمالات نجاح الأداة الجديدة مرتفعة للغاية في المنظور المتوسط والبعيد، أما في الأجل القصير قد يأخذ وقتًا حتى يألفها المستثمر الصغير، وبالنسبة للسندات متوسطة الأجل فسيُسمح للأفراد بالتعامل عليها أيضًا بدون وساطة عن طريق شركات السمسرة، وبصفة خاصة تلك التي تقدم خدمة التداول إليكترونيًا ومباشرة من العميل بدون وسيط شخصي، مثل التداول الحالي في الأوراق المالية.
وفي ختام تصريحاته يقترح العسيلي قيام الحكومة بإصدار سند بالعملة الأجنبية للمصريين العاملين بالخارج لافتًا إلى أن تحويلات العاملين بالخارج تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للدولة، ولو أُتيح السند بعملة أجنبية، مع ضمانات واضحة لتحويل العائد ورأس المال، وبآلية اكتتاب إلكترونية سلسة، فقد يتحول إلى وعاء ادخاري جاذب لهم، لكن العامل بالخارج يفكر بلغة مختلفة، فهو يقارن بين العائد المحلي والعائد العالمي، بين استقرار سعر الصرف ومخاطر السوق، وبين السيولة المتاحة وسهولة التخارج، وهنا يصبح عنصر الثقة هو الفيصل الحقيقى وهنا يأتى دور الدولة.
ووفق التقرير المالي الشهري الصادر عن وزارة المالية في يناير 2026 فإن نسبة الدين العام الخارجي والداخلي للناتج المحلي الإجمالي تراجعت بنحو 6% من 89.4% في يونيو 2024 إلى 83.8% في يونيو 2025.
كما تراجعت نسبة الدين المحلي للناتج المحلي الإجمالي تراجعًا طفيفًا من 62.3% في يونيو 2024 إلى 62% في يونيو 2025.
وبلغت قيمة الدين المحلي المصري بنهاية يونيو 2025 11.07 تريليون جنيه مقارنة بـ 8.7 تريليون جنيه في يونيو 2024.
وتخطط مصر إلى خفض الدين العام للدولة إلى 70% بنهاية العام المالي يونيو 2030، وفق ما صرح به أحمد كجوك وزير المالية في وقت سابق.