آراب فاينانس: في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة المصرية عن وجود مخزون استراتيجي من الأدوية يكفي من 4 إلى 6 أشهر، طالب خبراء تحدثوا لـ آراب فاينانس بضرورة اتخاذ إجراءات استباقية لمواجهة حدوث أي أزمة قد تحدث في قطاع الدواء في مصر خاصة مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب ارتفاع سعر النفط وتكاليف الشحن والتأمين مما يؤثر على السعر النهائي للمنتجات الدوائية فضلًا إمكانية تأثر سلاسل الإمداد.
وكان الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، قد عقد اجتماعًا موسعًا مؤخرًا، لمتابعة موقف سلاسل الإمداد في القطاع الصحي، والتأكد من استمرارية توافر الأدوية والخامات والأجهزة والمستلزمات الطبية بكميات كافية ومستقرة، لضمان تقديم الرعاية الصحية للمواطنين دون أي انقطاع أو تأثر.
التأثيرات المحتملة على مصر بسبب الحرب
من جانبه قال الدكتور أحمد رضوان، خبير واستشاري صناعة الدواء، ورئيس قطاع التسويق الإقليمي الأسبق بشركة نوفارتس إن مصر ستتاثر بالحرب الجارية حاليًا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب وبين إيران على الجانب الآخر، وذلك من حيث تأثر سلاسل الإمداد، وتكلفة النقل والشحن والتأمين، موضحًا أن استمرار الحرب لفترة أطول سيؤدي لارتفاع تكاليف المنتج النهائي نظرًا لارتفاع تكاليف أسعار النفط والبترول، والتي تؤثر بالطبع على تكاليف النقل فضلًا عن العوامل السابقة والمتعلقة بتكاليف مخاطر التأمين، مشيرًا إلى أن التوتر والحرب في مضيق هرمز غير مؤثر حاليًا على مصر خاصة أن مصر لا تستورد الدواء من الدول الخليجية.
وأكد رضوان في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس أن مصر ستتأثر بشدة في حالة حدوث السيناريو الأسوأ وهو إغلاق مضيق باب المندب، والذي تعتمد مصر عليه اعتماد كبير في استيراد شحنات الدواء، كما ستتأثر أسعار الدواء في مصر بارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري، حيث تستورد مصر المواد الخام الدوائية من الخارج بالعملة الصعبة وهذه المواد الخام المستوردة بالعملة الأجنبية تمثل نسبة كبيرة من التكلفة النهائية للدواء.
بينما يشير الدكتور إسلام عنان مستشار السياسات الصحية واقتصاديات الدواء أن نسبة كبيرة من الواردات الدوائية المصرية تأتي مباشرة من أوروبا أو من أسيا عبر مسارات بحرية لا تعتمد على الخليج العربي كمحطة عبور، وهو ما يقلل من الاعتماد المباشر على مضيق هرمز كممر أساسي للدواء المتجه إلى مصر.
وأضاف عنان أنه على المدى القصير، قد لا يوجد هناك مخاطر بسبب المخزون الاستراتيجي من المواد الخام الدوائية، وتنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على مورد واحد للمواد الفعالة بينما الأثر غير المباشر على تكلفة الإنتاج وسلاسل الإمداد يمكن أن يكون متوسطًا في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة لأن تعطّل الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية في العموم، وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين، وهو ما ينعكس على تكلفة نقل المواد الخام والمنتجات الدوائية.
ويرى عنان أن الأثر المرتفع لا يُتوقع حدوثه إلا في سيناريوهات أكثر تعقيدًا مثل اتساع نطاق الصراع أو تعطل عدة ممرات بحرية إقليمية في الوقت نفسه، وهو سيناريو لا تشير إليه المؤشرات الحالية.
وحسب الدكتور علي الغمراوي رئيس هيئة الدواء المصرية، فإن مؤشرات المخزون الاستراتيجي إيجابية للغاية، حيث تم استيراد نحو 55% من الخامات الدوائية المطلوبة للعام الجاري، وأن 80% من المواد الفعالة في السوق تغطي أكثر من ثلاثة أشهر من الإنتاج، و18% تغطي شهرين، فيما لا تقل تغطية أي مادة عن شهر، مما يعكس قوة واستقرار الإمدادات الدوائية خلال عام 2026.
ارتفاع مرتقب لأسعار الدواء مع المتغيرات الحالية
في حين أكد محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، أنه مع ارتفاع أسعار البنزين والطاقة ستتأثر حتمًا أسعار الدواء في مصر نظرًا لارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج لمصانع الدواء في مصر.
وأشار فؤاد إلى أن مصر تستورد نحو 95% من المواد الفعالة للدواء من الخارج، ومع ارتفاع سعر الدولار سيؤثر قطعًا على المنتج النهائي لسعر الدواء منوهًا بأنه في حالة الصراعات والحروب تتأثر بورصة الدواء العالمية من خلال ارتفاع أسعار المواد الخام الدوائية، والأدوية مكتملة الصنع.
وأكد فؤاد إلى أن هناك مطالبات حالية من شركات الأدوية في مصر برفع الأسعار بنسبة 30% عن الأسعار الحالية منوهًا بأن المؤشرات جميعها تشير إلى أن إمكانية حدوث تحرك في أسعار الدواء خلال الفترة المقبلة.
وأكد فؤاد أن مصر تستورد مواد خام دوائية بقيمة مليار و700 مليون دولار، فضلًا عن استيراد أدوية مكتملة التصنيع بنحو 700 مليون دولار ليصل إجمالي الاستيراد في قطاع الأدوية بنحو 2 مليار و400 مليون دولار سنويًا.
وأشار فؤاد إلى أن الحكومة المصرية رفعت أسعار الدواء خلال عام 2023 لنحو 4500 صنف دوائي، منوهًا بأن الحكومة المصرية ملتزمة بتطبيق التسعير الجبري على الشركات خاصة مع وجود 68% فقط من المصريين لديهم تأمين صحي، وباقي الشعب ليس لديه تأمين صحي مستبعدًا أي تحرير لسعر الدواء خلال تلك الفترة.
إمكانات تصنيع الدواء
وحول امتلاك مصر لإمكانات توطين صناعة الدواء أوضح فؤاد أن مصر لديها الإمكانات لذلك لكن الأمر يحتاج لفترة من الوقت.
بينما قال الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، إن مصر تستهدف خلال الخمس سنوات المقبل أن تكون مركز إقليمي لتوافر الدواء على مستوى أفريقيا، وقد بدأت مصر في هذا الاتجاه بأدوية الأورام ومشتقات الدم، والأنسولينات.
بينما يؤكد رضوان أن هناك ثلاثة دول رئيسية تصنع الدواء وتستورد مصر منهم المواد الخام الدوائية التي تشكل عصب قطاع الدواء المصري، وهى الهند والصين وكوريا الجنوبية، وذلك نظرًا لانخفاض سعر الدواء هناك، مقارنة بالشركات العالمية في أوروبا وأمريكا، لافتًا إلى أن مصر لا تصنع المواد الخام الدوائية بينما تستورد المواد الخام وتضعها في شكلها الدوائي النهائي وهى المرحلة الأخيرة في عملية التصنيع الدوائي والتي تتضمن في بعض منها التغليف والتعبئة.
وأضاف رضوان أن الهند أحرزت تقدم كبير في مجال الدواء على المستوى العالمي، خاصة في مجالي التطوير والاختراع للدواء، لافتًا إلى أن صناعة الدواء تحتاج لاستثمارات ضخمة في مجال البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا الدوائية، إلى جانب التسويق للوصول للمنتج النهائي للدواء، ولذلك تضع أمريكا 17 عامًا لاحتكار كل صنف جديد من الدواء يتم اختراعه بينما يضع الاتحاد الأوروبي 14 عامًا لاحتكار المنتج الذي يتم اختراعه، حيث لا تستطيع أي شركة أخرى بخلاف الشركة المخترعة للدواء إنتاج نفس المادة الدوائية لكي يعطي المُخترع الفرصة الكافية لمن اخترع الدواء لجني الأرباح، موضحًا أن تطوير جزي دوائي جديد يتكلف نحو 1.5 مليار دولار ويستغرق هذا الأمر نحو 11 عامًا بداية من البحث المعملي وحتى طرحه بالأسواق، وأنه لحسن الحظ مصر خارج هذه الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجات فيما يتعلق بحق الملكية الفكرية وبالتالي من حق مصر شراء مثيلات الأدوية المطروحة بدول مثل الهند وكوريا الجنوبية، والصين حيث تكون الأسعار أرخص كثيرًا عن الدول الأوروبية وأمريكا.
وأوضح رضوان أن عدد الدول العاملة في مجال بحث وتطوير الأدوية والمحتكرة لقطاع الدواء على مستوى العالم لا يتعدى 9 دول على مستوى العالم، ومنهم الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وانجلترا، وكندا واليابان، والدانمارك والتي تتميز في مجال صناعة الأنسولين، والأدوية النفسية، إذ تعد هذه الصناعة من الصناعات المتقدمة جدًا.
وأكد أن الهند من دول العالم الثالث التي نجحت في دخول هذه الصناعة، وحققت تميز واضح، حيث تمتلك شركات لتطوير الدواء.
الحلول الاستباقية للاستعداد للأزمة المرتقبة
وحول الحلول الاستباقية التي ينبغي أن تتخذها الحكومة المصرية، أكد رضوان أنه يجب أن يكون هناك مخزون استراتيجي من المواد الخام الدوائية أو مكتملة الصنع لفترة 3 شهور على الأقل، وإن كان هناك معايير تتحكم في هذا الحل، حيث تعمل معظم شركات الأدوية وفق مبدأ just in time ، وهو المبدأ الذي يعمل على تقليل فترة المخزون حيث يعتبروا أن المخزون رأس مال مجمد خلال دورة رأس المال، وبالتالي فالشركات تنظر بأهمية لمعدل دوران رأس المال، وكفاءة التشغيل والفاعلية الاقتصادية عندما تبدأ في تخزين الأدوية.
واختتم رضوان حديثه قائلًا: إن الحكومة المصرية يجب أن تبدأ من الآن في توفير أكبر قدر من الأدوية، خاصة للأمراض المزمنة والحرجة.
وطالب فؤاد بضرورة تشكيل لجنة لإدارة الأزمة إلى جانب رصد كمية المواد الخام الدوائية بالمخازن للشركات الكبرى وشركات الدواء الحكومية التابعة لقطاع الأعمال العام، لمتابعة رصيد الأدوية خاصة المتعلقة بالأمراض المزمنة والأدوية المنقذة للحياة، والأدوية التي ليس لها بدائل في مصر.
كما أشار الدكتور هشام ستيت رئيس الهيئة المصرية للشراء الموحد إلى أن المخزون المتاح لدى الشركات في الحدود الآمنة ، مع وجود موقف مطمئن جدًا للمستلزمات الطبية، وأن أي تحديات يتم التعامل معها بفعالية من خلال التنسيق المستمر.
واختتم عوف حديثه لـ آراب فاينانس قائلًا إنه ينبغي أن تبدأ مصر وفق ظروف الحرب الجارية حاليًا أن تستورد الدواء بداية من شهر مايو المقبل بدلًا من شهر يوليو كما كان مخططًا وفق المخزون والاحتياطي من الدواء.
ووفق بيان رسمي لوزارة الصحة والسكان فقد وجه الوزير بتشكيل لجنة دائمة تضم جميع الجهات المعنية، لمتابعة أوضاع توافر الدواء والمستلزمات بشكل يومي، ورصد أي متغيرات إيجابية أو محتملة، واتخاذ الإجراءات الفورية التي تضمن استمرارية الإمدادات وتعزز الثقة في المنظومة الصحية.
وأكدت وزارة الصحة والسكان في بيانها أن المنظومة الصحية في مصر تتمتع باستقرار قوي ومرونة عالية، وأن جميع الإجراءات المتخذة تضمن توافر الدواء والمستلزمات بكميات كافية وجودة عالية، لتلبية احتياجات المواطنين في كل وقت وبكل اطمئنان.
وناقش اجتماع عقد مؤخرًا بين رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من المسئولين عن قطاع الدواء في مصر مقترح إطلاق مبادرة تمويلية داعمة للشركات الدوائية، بهدف تعزيز المخزون الاستراتيجي ليغطي احتياجات عام كامل، مما يعكس الالتزام بتعزيز الاحتياطي الوطني وضمان الاستدامة طويلة الأمد.