}

نشاط ثقافي وفني مكثف داخل المتحف المصري الكبير.. كيف يثري تجربة السائح؟

أخر تحديث 2026/07/01 11:11:00 ص
نشاط ثقافي وفني مكثف داخل المتحف المصري الكبير.. كيف يثري تجربة السائح؟

آراب فاينانس:  شهد المتحف المصري الكبير، حالة من الزخم الثقافي والفني عبر إقامة العديد من الفعاليات داخلة مما أثرى السائح بتجربة مغايرة.

فزيارة المتحف المصري الكبير لم تعد مجرد نشاط ترفيهي هامشي، بل أضحت أداة تسويقية رفيعة المستوى تروج للآثار المصرية بروح العصر، ومن خلال دمج عظمة الماضي بابتكار الحاضر ودمج التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، مما يجعل السائح يتمتع بتجربة مختلفة ويسمح بإطالة فترة إقامة السائح وتعميق ارتباطه بالهوية المصرية، وتحويل زيارته إلى رحلة تفاعلية متكاملة، ما يفتح آفاقًا جديدة للتنمية السياحية المستدامة، ويضع مصر في صدارة الوجهات السياحية العالمية التي لا تكتفي بتقديم التاريخ كذكريات، بل تعيشه كواقع متجدد.

واستضاف المتحف المصري الكبير خلال هذا العام سلسلة من الفعاليات الثقافية والفنية والحفلات لنجوم الموسيقى العالميين برايان ماكنايت وكالوم سكوت وبرايان آدامز في قلب المتحف المصري الكبير.

وتستعد السوبرانو المصرية العالمية فاطمة سعيد لإحياء حفلها السنوي في مصر أكتوبر المقبل داخل البهو الرئيسي بالمتحف المصري الكبير، وذلك ضمن جولة فاطمة سعيد الفنية في عدد من دول العالم.

تأثير الإضاءة الجيدة في إثراء تجربة السائح

من جانبه قال طارق عطية، مدير مركز التحرير الثقافي السابق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن عامل الإضاء داخل المتحف المصري الكبير من عوامل الجذب للعديد من السائحين حيث تمثل هذه الإضاء فرصة للحكي وإعطاء مزيد من المعلومات للسائح من خلال السرد والحكي بالصوت والضوء في ذات الوقت وذلك من خلال رسم العديد من الأشكال التي تحكي قصص كل أثر مما يمثل إثراء لتجربة السائح سواء العربي أو الغربي، ويمكن للتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي أن يساهما في هذه التقنيات بشكل جيد مما يساعد في جذب السائحين، وقد سبق وأن استخدمت الحكومة المصرية تقنية الإضاء الجذابة ليلًا بميدان التحرير بالقاهرة.

ويؤكد عطية وهو خبير إعلامي مصري أمريكي أنه خلال عمله في مجالات الإعلام والتراث والثقافة، سعى دائمًا لاستكشاف أفكار تهدف إلى الربط بين القديم والجديد منوهًا بأنه شارك مؤخرًا في ورشة عمل أقيمت في متحف كبير بالعاصمة واشنطن، حيث تعرّف المشاركون على مفهوم جديد يعتمد على الذكاء الاصطناعي يُعرف باسم "كاميرا الشعر" (Poetry Camera)، وهى تقنية مزودة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وهى كاميرا تُعطى للسائح خلال زيارته للمتحف، وتعمل على التصوير الفوري للأماكن وعندما يصور السائح المكان الذي ينال إعجابه تقوم الكاميرا بتأليف شعر لهذا المكان الأثري مما يفاجئ السائح ويثري تجربته ويحتفظ بالصورة متضمنة أشعارًا حول هذا الأثر، ويقوم السائح باختيار 8 أنواع من الشعر بعد التصوير، ما بين شعر حر وشعر تقليدي وغيره، ويساهم ذلك بالطبع في تفاعل السائح مع المقتنيات الأثرية بالمتحف.

وأكد عطية أن المتاحف والمؤسسات العامة الأخرى تسعى باستمرار إلى تعزيز تجربة الزوار، وتوفير فرص جديدة تتيح لمختلف فئات الجمهور خوض تجارب استكشافية متنوعة.

ويشدد عطية على أهمية دور المسؤول عن تنسيق وعرض المحتوى داخل المتحف حيث يعد ذلك أمرًا جوهريًا، تمامًا لتحقيق توازن بين خلق تجارب تفاعلية غنية في المواقع التراثية وبين تجنب الاعتماد المفرط على الأنشطة التجارية الاستهلاكية.

المتحف المصري الكبير كمدينة ثقافية متكاملة

بينما يرى محمد مندور مستشار وزير الثقافة السابق والباحث في التراث، أن المتحف المصري الكبير يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليصبح منصة عالمية لإطلاق المجموعات الحصرية لكبرى دور الأزياء والمجوهرات، فالعالم اليوم يبحث عن القصة وراء المنتج، ولا توجد قصة أكثر إلهامًا من الحضارة المصرية القديمة، وعندما تطلق دار عالمية مثل ديور أو شانيل مجموعة مستوحاة من الفن المصري داخل المتحف فإنها لا تروج لمنتجاتها فقط، بل تساهم في تقديم مصر باعتبارها مصدرًا للإبداع الإنساني عبر آلاف السنين.

وسجلت السياحة المصرية خلال عام 2025 أداءً استثنائيًا وغير مسبوق، حيث استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح، محققة رقمًا قياسيًا جديدًا بمعدل نمو بلغ 21% مقارنة بعام 2024، في إنجاز يعكس القوة المتنامية للمقصد السياحي المصري على الساحة الدولية وفق الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار.

وأضاف مندور، أن العائد التسويقي من هذه الشراكات يتجاوز العائد المالي المباشر، إذ يضع المتحف في صدارة التغطية الإعلامية العالمية، ويجذب شرائح جديدة من الزوار، خاصة من المهتمين بالفنون الراقية والموضة والثقافة. كما يرسخ صورة مصر كوجهة تجمع بين التراث والاستثمار والصناعات الإبداعية.

وتابع مندور: لا ينبغي أن يُنظر إلى المتحف المصري الكبير كمتحف فقط بل كمدينة ثقافية متكاملة تتضمن مركز المؤتمرات والمسرح اللذان يمثلان فرصة حقيقية لوضع مصر على خريطة المؤتمرات الدولية الكبرى في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد والابتكار.

وأشار إلى أنه لتحقيق ذلك يجب أن تكون استضافة المؤتمرات مرتبطة بحزم سياحية وثقافية متكاملة تشمل جولات خاصة داخل المتحف والأهرامات وعروضًا فنية وتراثية وتجارب للطعام المصري المعاصر.

وقال مندور، إن الهدف هو تحويل المشارك في المؤتمر من "ضيف أعمال" إلى "سائح ثقافي"، بما يطيل مدة إقامته ويرفع العائد الاقتصادي للزيارة.

ووضعت الحكومة خطة استراتيجية لتعزيز نمو القطاع، تشمل جذب استثمارات بقيمة 35 مليار دولار لإضافة 340 ألف غرفة فندقية جديدة وتحقيق هدف استقبال 30 مليون سائح بحلول عام 2031.

وأكد مندور، أن المتحف مؤهل بكل تأكيد لاستضافة أجندة سنوية ثابتة من الحفلات الأوركسترالية والعروض الأوبرالية العالمية، إذ إن التجارب الدولية أثبتت أن المزج بين الفنون الرفيعة والمواقع التراثية يصنع أحداثًا استثنائية تجذب جمهورًا نوعيًا عالي الإنفاق، مشيرا إلى أن هذه الفعاليات لا تستهدف فقط السائح التقليدي بل تستقطب ما يمكن تسميته بـ"النخبة الثقافية العالمية"، وهم جمهور يبحث عن التجارب الفريدة التي تجمع بين الفن والتاريخ، وعندما تصبح هذه الفعاليات جزءًا من أجندة دولية ثابتة، فإن المتحف يتحول إلى محطة ثقافية عالمية ينتظرها الجمهور سنويًا.

ويؤكد عطية، أن شركات التكنولوجيا يمكنها أيضًا الاستفادة من هذه الأنشطة داخل المتحف المصري لتنفيذ بعض الأعمال المرئية والإضاء مما يوفر أيضا مزيد من فرص العمل داخل هذا المجال.  

أهمية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المتحف المصري الكبير

ومن جانبها قالت سمية الشربيني، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـ شركة أوبس لتحليل البيانات OpusAnalytics والعاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، إن الكثير من السائحين يعتبروا زيارة مصر وآثارها خاصة الحضارة المصرية القديمة رحلة العمر، لذلك فتعايش السائح الذي يريد أن يزور مصر مع التجربة من خلال مشاهدة فيديوهات وأفلام بتقنية البعد الرابع أو الخامس كأنه يزور المتحف فعليًا ويعيش التجربة داخله مهمة جدًا للترويج للسياحة والآثار المصرية، وكثير من الدول تستخدم ذلك لإمتاع السائح ومعايشته للتجربة قبل الزيارة مما يشجعه على حجز الطائرة والزيارة لمصر.

وأضافت الشربيني أن هناك تقنية تستخدم داخل المتاحف العالمية حاليًا وغير مستخدمة في مصر، وهى سماع قصة كل أثر يختاره السائح لمعرفة الكثير عنه، مع ربطه بتطبيقات للذكاء الاصطناعي لمعرفة المزيد حول هذا الأثر وذلك لزيادة تفاعل السائح مع القطع الأثرية، بحيث لا يصبح دور السائح مستقبل للمعلومات فقط، بل يتفاعل معها كذلك. 

وتقترح الشربيني، إجراء استطلاع رأي للسائحين الذين يزورون مصر لمعرفة تفضيلاتهم وتصنيفهم من خلال تحليل هذه الاستطلاعات بالذكاء الاصطناعي، والخروج ببيانات تساعد مُتخذ القرار والمسئولين على معرفة ما يهم الزائرين لمصر، بحيث يتم التعرف على ما يريده السائح من زيارة مصر، وهل هناك اختلافات بين تفضيلات السائح العربي أو الأمريكي أو الأوروبي، أو الأفريقي، وهكذا تصنيف السائحين وتفضيلاتهم وفق الأعمار أو نوع السياحة التي يفضلوها، فلدينا في مصر على سبيل المثال سياحة دينية لكن كثير من السائحين لا يعرفون عنا كثيرًا، ويمكن لهذا النوع من السياحة أن يجذب العديد من السائحين، ويطيل من فترة زيارته لمصر.

هذا ما يؤكده أيضًا الدكتور وائل بدوي عضو مجلس بحوث الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بأكاديمية البحث العلمى حيث يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل القلب النابض للمتاحف الذكية الحديثة، فمن خلال تحليل بيانات الزيارة بصورة تراعي الخصوصية، يستطيع النظام فهم اهتمامات كل زائر وتقديم تجربة شخصية بالكامل، فعلى سبيل المثال، إذا كان الزائر مهتماً بالملوك الفراعنة، يقوم النظام تلقائياً باقتراح مسار يركز على تماثيل الملوك، والمومياوات الملكية، ومقتنيات توت عنخ آمون، أما إذا كان مهتمًا بالهندسة المعمارية أو الفن المصري القديم، فسيتم توجيهه إلى قاعات مختلفة مع محتوى يناسب اهتماماته.

وتحذر الشربيني من الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا بشكل صاخب أو يشوش على السائح، مما قد يضر بالهدف الذي تستخدم من أجله التكنولوجيا وهو جذب السائحين، مطالبة بضرورة عدم استخدام التكنولوجيا بشكلها التقليدي.

ويتفق مع ذلك الدكتور محمد عزام عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لإدارة التكنولوجيا، موضحًا أنه ينبغي استخدام التكنولوجيا في السياق الصحيح لها حتى لا تصبح مصدر للتشويش كما ينبغي معرفة ما يريده السائح بالضبط مع إظهار تقدم المصري القديم في مجال تكنولوجيا السفن على سبيل المثال، وكيف أسس لخطوط التجارة، واستخدامه للاقتصاد المعرفي، وتقدمه في مجال الطب، ومجال الزراعة والمياه مع شرح البرديات الهامة مثل بردية لندن وغيرها من الإعجازات التي قام بها المصري القديم.

وأضاف عزام أن الإفراط في استخدام التكنولوجيا قد يحول الأمر إلى نوع من المسخ والتشوه البصري والأمر يحتاج احترافية عالية في توظيف التكنولوجيا التوظيف الأمثل لتحسين تجربة السائح.

وحول الاستخدامات العملية للذكاء الاصطناعي يوضح بدوي، أنه عند وقوف الزائر أمام تمثال أو تابوت أثري داخل المتحف المصري الكبير، يمكن لنظارات الواقع المعزز أو حتى الهاتف الذكي أن تعرض المعبد الأصلي أو المقبرة التي اكتُشفت فيها القطعة، مع إعادة بناء ألوانها الأصلية، والطقوس التي كانت تُمارس، والكتابات الهيروغليفية، وهي تُترجم فوريًا إلى لغة الزائر، أما الواقع الافتراضي فيمنح الزائر تجربة غامرة إذ يمكنه أن يدخل افتراضيًا إلى مقبرة توت عنخ آمون أو معبد أبو سمبل أو معابد الكرنك كما كانت قبل آلاف السنين، ويتجول فيها بحرية، ويستمع إلى شرح تاريخي تفاعلي بلغته، وهذا النوع من التجارب يحول الزيارة من مجرد مشاهدة إلى رحلة زمنية تعليمية وترفيهية، ويجعل المتحف المصري الكبير واحدًا من أكثر المتاحف تطورًا على مستوى العالم.

ويؤكد بدوي أن المتحف الذكي يعتمد على شبكة متكاملة من أجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء لمراقبة كل من البيئة الداخلية وحركة الزوار في الوقت الحقيقي، فالحساسات المنتشرة داخل القاعات تقيس باستمرار درجات الحرارة والرطوبة ومستويات الإضاءة والاهتزازات وجودة الهواء، وترسل البيانات إلى مركز تحكم يعمل بالذكاء الاصطناعي، وفي حالة ارتفاع عدد الزوار داخل إحدى القاعات، يستطيع النظام تلقائياً تعديل أنظمة التكييف والتهوية، أو فتح مسارات إضافية، أو توجيه الزوار إلى مناطق أخرى لتخفيف الضغط، مع الحفاظ على الظروف البيئية المثالية لحماية القطع الأثرية.

كما تتيح الكاميرات الذكية وأنظمة التحليل اللحظي وفق بدوي اكتشاف التكدسات قبل أن تتحول إلى مشكلة، مما يحسن مستوى السلامة والأمن ويضمن انسيابية الحركة داخل المتحف، وباختصار، فإن التكنولوجيا لا تخدم الزائر فقط، بل تؤدي أيضاً دورًا أساسيًا في حماية التراث المصري للأجيال القادمة، عبر تحقيق توازن دقيق بين استيعاب أعداد كبيرة من الزوار والمحافظة على المقتنيات الأثرية وفق أعلى المعايير العالمية.

ضرورة الإلتزام بالمعايير الدولية للحفاظ على الآثار

تتفق مع بدوي الدكتورة رانيا ممتاز أستاذة الآثار وصيانة التراث بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة مؤكدة على ضرورة الحفاظ على القطع الأثرية بالتزامن مع استخدام هذه التكنولوجيا موضحة أن نجاح الفعاليات الثقافية داخل المتحف لا يقاس فقط بحجم الإقبال الجماهيري، وإنما بمدى التزامها الكامل بالمعايير الدولية للحفاظ الوقائي على الآثار، فالقطعة الأثرية هي محور المتحف وأولويته المطلقة، ولذلك يجب أن تُصمم جميع الفعاليات بما يضمن عدم تعرضها لأي تأثير مباشر أو غير مباشر، ويتحقق ذلك من خلال إقامة الفعاليات في مناطق مخصصة ومعزولة هندسيًا عن قاعات العرض، مع استخدام أحدث تقنيات عزل الصوت والاهتزازات والإضاءة، بحيث لا تنتقل المؤثرات إلى القطع الأثرية. كما يجب التحكم في مستويات الإضاءة والرطوبة ودرجات الحرارة، ومراقبة أعداد الزوار وحركتهم، وإجراء تقييم مسبق للمخاطر قبل كل فعالية، بما يتوافق مع المعايير الدولية لصون التراث الثقافي، وبهذا يصبح النشاط الثقافي عنصرًا داعمًا للمتحف وليس مصدرًا لأي مخاطر على مقتنياته.

بينما يرى مندور أن التكنولوجيا لم تعد عنصرًا مساعدًا في العمل الثقافي، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من تجربة الجمهور، ويمكن للمتحف المصري الكبير أن يقود نموذجًا جديدًا للفعاليات المدمجة عبر توظيف الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي.

وأضاف: أنا هنا أتخيل مؤتمرات وعروضًا فنية يمكن للجمهور متابعتها من مختلف دول العالم مع إمكانية التفاعل المباشر، أو تجارب رقمية تسمح للزائر الافتراضي بالتجول داخل المتحف وكأنه موجود فعليا، هذا النموذج يوسع دائرة التأثير الثقافي للمتحف، ويجعله منصة عالمية لنشر المعرفة بالحضارة المصرية خارج الحدود الجغرافية".

وأوضح مندور أن البهو العظيم والدرج العظيم ليسا مجرد عناصر معمارية داخل المتحف بل يمثلان أيقونات بصرية عالمية قادرة على جذب صناع المحتوى وشركات الإنتاج الكبرى. وفي العصر الرقمي أصبحت الصورة وسيلة دبلوماسية وثقافية لا تقل أهمية عن المعارض والمتاحف نفسها.

وتابع: أؤيد بشدة إقامة شراكات مدروسة مع منصات إنتاج دولية كبرى لإنتاج أفلام وثائقية وبرامج ثقافية وأعمال فنية يتم تصويرها داخل المتحف وفق ضوابط تحافظ على قيمته التراثية. هذه الأعمال تمثل دعاية غير مباشرة ذات تأثير عالمي ومستدام، وتصل إلى ملايين المشاهدين حول العالم.

وقال مندور إن الموقع الفريد للمتحف بالقرب من الأهرامات ومطار سفنكس يتيح فرصة استثنائية لتطوير مفهوم "السياحة الثقافية الليلية" حيث يمكن تصميم برنامج متكامل يشمل عروضا ضوئية وموسيقية وأمسيات ثقافية وفعاليات فنية مفتوحة وتجارب تفاعلية تستخدم أحدث التقنيات الرقمية.

وأكد أن الهدف هو أن يبقى المتحف حيا بعد انتهاء ساعات الزيارة التقليدية وأن يتحول إلى مركز جذب مستمر يتيح للسائح تجربة مختلفة في كل ساعة من ساعات اليوم، بما يرفع من معدلات الإنفاق السياحي ويعزز مكانة المنطقة كوجهة عالمية متكاملة.

وشدد مندور على أن النجاح الحقيقي لأي مؤسسة ثقافية كبرى يكمن في قدرتها على تحقيق التوازن بين الاستدامة الاقتصادية والرسالة الحضارية، فمن المُهم أن تستضيف الفعاليات التجارية والاستثمارية لكن بشرط أن تنطلق من احترام هوية المتحف ورسالة الحفاظ على التراث.

وأكد أنه يجب أن تكون كل فعالية إضافة للقيمة الثقافية وليست مجرد حدث تجاري، وعندما يتم وضع معايير واضحة لاختيار الفعاليات والشراكات يصبح النشاط الاقتصادي وسيلة لدعم الثقافة وليس منافسًا لها.

وتابع مندور: إن الميزة التنافسية الحقيقية للمتحف المصري الكبير تكمن في أنه ليس مجرد مبنى حديث أو مركز فعاليات متطور بل بوابة لأعظم حضارة عرفتها الإنسانية، مشيرا إلى أن كثيرا من المؤسسات الثقافية تمتلك تقنيات حديثة ومساحات ضخمة لكن لا أحد يمتلك الإرث الحضاري المصري بهذا العمق والامتداد.

وقال: "لذلك أرى أن أجندة الفعاليات يجب أن تركز على تقديم الحضارة المصرية باعتبارها مصدر إلهام عالمي للعلوم والفنون والابتكار، وعندما ينجح المتحف في الجمع بين أصالة التراث وقوة التكنولوجيا وجاذبية الفعاليات الدولية، فإنه سيحافظ على مكانته كأهم وجهة ثقافية في الشرق الأوسط وأفريقيا وأحد أبرز المراكز الحضارية في العالم".

وتشير ممتاز إلى أن القطعة الأثرية ليست مجرد حجر أو تمثال، بل تحمل قصة إنسانية وحضارية تمتد لآلاف السنين، غير أن كثيرًا من الزوار قد لا يستطيعون قراءة هذه القصة من خلال العرض التقليدي وحده، وهنا يأتي دور العروض الموسيقية والمسرحية والفنون البصرية المستوحاة من الحضارة المصرية القديمة، والتي تحول الزيارة إلى تجربة متعددة الحواس، فيشعر الزائر بأنه يعيش التاريخ بدلاً من مجرد مشاهدته، وهذه التجربة تعزز الفهم، وترسخ المعلومات في الذاكرة، وتخلق ارتباطًا وجدانيًا بالحضارة المصرية، وهو ما يجعل التراث أكثر قربًا لعقلية زائر القرن الحادي والعشرين.

وتوضح ممتاز أن السائح في الماضي كان يخصص ساعات قليلة لزيارة المتحف، أما اليوم فإن الفعاليات الثقافية، والمعارض المؤقتة، والأمسيات الفنية، والبرامج التعليمية، والخدمات السياحية المتكاملة، تجعل المتحف وجهة يمكن أن يقضي فيها الزائر يومًا كاملًا، وهذا ينعكس إيجابًا على الاقتصاد السياحي، ويزيد من متوسط إنفاق السائح، ويطيل مدة إقامته في مصر.

وحول أهمية هذه الفعاليات الثقافية داخل المتحف المصري الكبير تؤكد ممتاز أن الفعاليات الثقافية تفتح أبواب المتحف أمام شرائح لم تكن تستهدف زيارة المتاحف التقليدية، مثل عشاق الموسيقى، والفنون المعاصرة، والتصوير، وصناع المحتوى، وسياحة المؤتمرات والفعاليات الدولية، وبهذا يتحول المتحف إلى منصة ثقافية عالمية تستقطب جمهورًا متنوعًا، مع الحفاظ على رسالته الأساسية في صون التراث.

وتوصي ممتاز بضرورة الجمع بين الفعاليات العلمية والثقافية والتعليمية مما يرسخ مكانة المتحف المصري الكبير كمنارة للمعرفة، وليس مجرد مقصد سياحي، كما يعزز دوره كأحد أهم مراكز القوة الناعمة المصرية، القادرة على بناء جسور الحوار الحضاري والتعاون العلمي مع المؤسسات والمتاحف والجامعات العالمية.

وتختتم ممتاز حديثها، بأن السائح الحديث لم يعد يبحث فقط عن مشاهدة الآثار، بل عن تجربة يعيشها بكل حواسه، وعندما تمتزج عظمة العمارة المصرية القديمة مع الموسيقى والفنون والوسائط الرقمية الحديثة، تتكون لدى الزائر ذكريات عاطفية يصعب نسيانها، فيشاركها مع الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويصبح سفيرًا غير مباشر للترويج لمصر، كما تزداد احتمالية تكرار زيارته.

واستقبلت مصر نحو 5.6 مليون سائح خلال الربع الأول من العام الجاري، بحسب وزير السياحة والآثار ، شريف فتحي  وهو ما يعني قفزة بنسبة 43.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، والتي سجلت خلالها البلاد نحو 3.9 مليون سائح.

وتستهدف مصر جذب نحو 21 مليون سائح خلال العام الجاري، مُقارنةً بحوالي 19 مليون سائح في 2025، بنمو 10.5%، وذلك عقب تسجيل رقم قياسي في أعداد الزائرين العام الماضي بنمو 21%، لتقترب أيضًا الإيرادات السياحية من 24 مليار دولار مقابل 15.3 مليار في 2024.

 

أخبار مشابهة