آراب فاينانس: تثير تداعيات، وآثار الحرب الجارية حاليًا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب، وبين إيران من الجانب الآخر الكثير من التساؤلات حول كيفية الاستعداد لاتخاذ ووضع خطط للأمن الغذائي المصري مع الوضع في الاعتبار إمكانية استمرار الحرب لمدى طويل، وفي ظل واقع يفرض على مصر استيراد جزء كبير من احتياجاتها، أدت الحرب الحالية إلى خنق الممرات التجارية، وتعطل تدفق الحبوب والزيوت والكثير من المنتجات الغذائية، والمواد الخام والأولية لكثير من المنتجات مما يفرض العديد من التساؤلات حول مدى استقرار الأسواق خلال الفترة المقبلة، والتحديات التي تواجه الأمن الغذائي المصري وسلاسل الإمداد.
وأكد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء أن هناك تركيزًا بالغًا على الحفاظ على أرصدة آمنة من مختلف السلع الغذائية الاستراتيجية، مع توجيه تكليفات للوزراء المعنيين بمواصلة انتظام عمليات متابعة الأسواق ميدانيًا، بالتنسيق مع الأجهزة الرقابية المُختلفة، للتأكد من توافر مختلف السلع لاحتياجات المواطنين، بالكميات المطلوبة، والمعايير اللازمة، وبالأسعار المناسبة دون مغالاة أو استغلال، مع التصدي لأي محاولة لممارسات احتكارية للسلع ومواجهة ذلك بكل حسم وشدة.
ارتفاع سعر البترول سيؤثر على زيادة أسعار الغذاء
من جانبه قال الدكتور نادر نور الدين، مستشار وزير التموين الأسبق، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن خطة مصر لتأمين المخزون الاستراتيجي من كافة السلع الغذائية والاستراتيجية وُضعت منذ الثمانينيات في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولاتزال مستمرة للعمل بها حتى الآن، وهى تأمين المخزون الاستراتيجي خلال فترة تتراوح من 4 إلى 6 أشهر، مضيفًا أن صوامع الحبوب التي أنشئت خلال العشر سنوات الماضية عملت على زيادة الكميات من المخزون الاستراتيجي للحبوب مثل القمح الذي يعد أحد أهم السلع الاستراتيجية في مصر.
وأضاف نور الدين، أنه مع استمرار الحرب لأكثر من شهرين ستبدأ البلاد في التأثر من حيث المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية، وذلك في حالة عدم الاستيراد من الخارج نتيجة تعطل الممرات المائية، لافتًا إلى أن المنطقة الجاري بها الحرب حاليًا ليست منطقة صادرات لمصر ولا يوجد بها مُصدرين للغذاء، وأن الاعتماد على استيراد الحبوب من الخارج يعتمد على مناشئ أوروبية.
وأضاف نور الدين، أن التوترات والحرب الجارية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران أدت إلى توترات واضطرابات بمضيق هرمز ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار البترول، حيث ارتفع سعر برميل النفط من 67 دولار للبرميل إلى 83 دولار للبرميل الآن، وهناك علاقة وثيقة بين ارتفاع أسعار البترول، وبين زيادة أسعار السلع الغذائية بالبورصات العالمية. كما ستزيد أسعار الشحن البحري، والتأمين باعتبار تلك المنطقة منطقة مخاطر.
ينبغي تشجيع المزارعين على زراعة القمح والذرة
من جانبه طالب الدكتور يحيى متولي خليل، أستاذ الاقتصاد الزراعي بالمركز القومي للبحوث بضرورة دعم المزارع المصري خلال الفترة المقبلة وشراء القمح منه بأسعار مجزية مع توفير الأسمدة الزراعية في موعدها وبأسعار مناسبة مع تقديم حوافز لمزارعي القمح والذرة لتشجيعهم على زراعة المحاصيل الاستراتيجية.
ويتفق نور الدين، مع خليل في هذا الطرح حيث أكد على ضرورة تشجيع المزارعين ومنحهم الحوافز لزيادة الإنتاج الزراعي من السلع الاستراتيجة كالقمح والذرة والفول والعدس وغيرها من السلع مما يقلل من مخاطر وآثار التوترات، والحروب، كما سيؤدي ذلك لتقليل استنزاف النقد الأجنبي في الاستيراد.
وشدد نور الدين على ضرورة الاهتمام بالأمن الغذائي المصري، من خلال الاهتمام بالزراعة ودعم المزارعين المحليين خاصة زراعة القمح، لأن ذلك يحمي مصر من مخاطر ارتفاع الأسعار نتيجة الحروب والظروف الإقليمية لافتًا إلى أنه على سبيل المثال فقد سبق واستغل بعض التجار الحرب الأوكرانية لرفع سعر القمح إلى 400 دولار.
ضرورة تنويع مناشئ الاستيراد
كما أكد خليل على أهمية دور البنك الزراعي المصري خلال الفترة المقبلة في توفير التمويل اللازم لدعم المشروعات الزراعية.
وطالب خليل بضرورة تنويع مناشئ الاستيراد للقمح والذرة حتى لا تتعرض مصر لضغوط الاعتماد على موردين بعينهم.
وأووضح نور الدين، أن مصر تعتمد في استيراد القمح والذرة الصفراء على 7 مناشئ كبرى هى أمريكا وكندا والأرجنتين، وفرنسا، وروسيا وأوكرانيا واستراليا، بخلاف 10 مناشئ أخرى مؤقتة، منها رومانيا والهند، مشيرًا إلى أن حجم تجارة القمح هذا العام وصلت إلى 260 مليون طن منهم 50 مليون طن من روسيا بمفردها، إلى جانب 10 مليون طن من أوكرانيا، و25 مليون طن من أمريكا، و20 مليون طن من كندا ومثلهم في كل من الأرجنتين واستراليا.
وأشار نور الدين إلى أن الأمن الغذائي المصري سيتأثر بارتفاع أسعار الغذاء بالبورصات العالمية، وهذا وارد مع استمرار مدى الحرب لأكثر من 10 أيام، حيث من المتوقع زيادة أسعار الغذاء بنسبة قد تصل لـ 30% بعد تلك الفترة.
تأثر الصادرات المصرية الموجهة للخليج
وحول تأثر الصادرات المصرية بالحرب في منطقة الخليج أكد نور الدين أن مصر ستتتأثر نتيجة التوتر والحرب بمنطقة الخليج حيث تصدر مصر كميات كبير جدًا من الفاكهة والخضروات والمعلبات الغذائية للدول الخليجية، مثل قطر والبحرين، والإمارات وسلطنة عمان والسعودية إلى جانب تصدير بعض السلع الغذائية لإسرائيل مثل الخضروات المحفوظة والأغذية المعلبة، والعصائر، وحيث أن المجال الجوي لها مغلق سيتم إيقاف تصدير المنتجات الزراعية لها، مشيرًا إلى أن قيام إسرائيل بوقف تصدير الغاز لمصر سيؤثر على صناعة الأسمدة في مصر، حيث تعد مصر من الدول المصدرة للأسمدة النيتروجينية والأمونيا السائلة التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي في صناعتها، وسيؤدي ارتفاع سعر الغاز عالميًا لارتفاع تكاليف هذه الأسمدة التي تصدر للخارج، مما يصعب المنافسة على الشركات المصرية في تصدير الأسمدة الموردة لأوروبا وأمريكا.
وألمح نور الدين أن مصر تُصدر لأوروبا العديد من الخضروات والمنتجات الزراعية مثل البطاطس والبصل والثوم، والموالح والفراولة، وهذه السلع تمثل القدر الأكبر من واردتنا الغذائية، التي يُصدر 40% منها للدول الخليجية، وباقي المنتجات تصدر لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.
وبلغت صادرات مصر غير البترولية 48.6 مليار دولار في 2025، مقابل 41.5 مليار دولار في 2024، بنمو 17%، فيما تطمح مصر لزيادتها إلى 55 ملياراً بنهاية العام الحالي، بحسب بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية.
ووفق بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، فإن الواردات المصرية من الخارج سجلت ارتفاعًا طفيفًا حيث بلغت خلال عام 2025 نحو 83 مليار دولار، مقارنة بنحو 79.3 مليون دولار خلال 2024 بنسبة زيادة 5%..
وأكد نور الدين أن توقف تصدير العديد من السلع الغذائية للخليج سيؤدي لتوجيه هذا الفائض للسوق المحلي، ومن المتوقع خلال الفترة المقبلة انخفاض أسعار الخضروات والفاكهة بالسوق المحلي نتيجة زيادة المعروض منها بعد توقف التصدير، لكن في ذات الوقت سيؤثر ذلك على حدوث خسائر للمصدرين والمزارعين والاقتصاد المصري بشكل عام حيث ستنخفض عائدات النقد الأجنبي من هذه السلع الغذائية نتيجة توقف تصديرها.
وكشف وزير الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر، علاء فاروق، عن ارتفاع الصادرات الزراعية المصرية إلى 8.8 مليون طن خلال عام 2025، وذلك بزيادة تقارب 750 ألف طن عن نفس الفترة عام 2024 ، بنسبة زيادة بلغت نحو 9.3%.
العقود المستقبلية تحمي مصر من التقلبات السعرية
من جانبه قال الدكتور أدهم البرماوي، الأستاذ المساعد بقسم الاقتصاد والمالية العامة بالمعهد العالي للإدارة وتكنولوجيا المعلومات بكفر الشيخ إنه ينبغي توقيع عقود مستقبلية، بأسعار تحوطية للحماية من التقلبات في أسعار النفط ، وأسعار الصرف، من خلال وزارة المالية خلال الفترة المقبلة خاصة مع شراء القمح، الذي يعد سلعة استراتيجية أساسية.
وأضاف أن سعر الغاز الطبيعي تضاعف بشكل كبير يصل لنحو 60% في أوروبا، وذلك له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، خاصة أن احتياطي الغاز في أوروبا 14 يوم فقط، وهم يعتمدوا على الدول الخليجية المضطربة أصلًا بالحرب.
وأشار البرماوي إلى أن استمرار الحرب لفترة طويلة يعني إمكانية تغير وارتفاع سعر الصرف وهو ما سيعمل على زيادة أسعار الواردات الغذائية، منوهًا بأن سعر الدولار ارتفع منذ بدء الحرب ليسجل أكثر من 50 جنيهًا مصريًا، وهو ما سيؤثر على قيمة شراء السلع الغذائية المستوردة. كما سينعكس الأمر على الموازنة العامة نفسها لأن التقديرات التي وضعتها الحكومة قبل الحرب مختلفة عن واقع الأسعار بعد الحرب.
ومن جانبه قال الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية في بيان رسمي إن العقود المستقبلية تعد أداة مناسبة للتحوط من تقلبات الأسعار في الظروف غير الاعتيادية، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في زيادة عمق السوق ورفع كفاءته.
توقعات بارتفاع أسعار السكر والزيوت رغم المخزون
وتوقع نور الدين ارتفاع أسعار زيوت الطعام والسكر خلال الفترة المقبلة رغم وجود مخزون استراتيجي من السلع الغذائية خلال فترة تتراوح من 4 إلى 6 شهور، لذلك ينبغي أن يكون هناك دور للدولة في الرقابة على الأسواق وعدم إعطاء الفرصة لما سماهم "تجار الأزمات" لاستغلال الأمر، ورفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، منوهًا إلى أن بعض التجار بدأوا بالفعل في رفع الأسعار بعد يومين من الحرب، رغم أن المخزون الذي لديهم تم شرائه بأسعار سابقة عن الحرب.
الحكومة تتخذ قرارات استباقية لاستقرار السوق
ووضعت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية خطة استباقية عقب التصعيد الأخير في الشرق الأوسط شملت بدائل لوجستية، وفتح مسارات تجارية، وتعزيز التنسيق مع سلاسل الإمداد للحفاظ على استقرار الأسواق.
وحسب بيان رسمي للوزارة فقد أعلنت عن أن هدفها هو حماية مصالح المزارعين والمصدرين واستمرار وصول المنتجات المصرية لكل الأسواق العالمية مهما كانت التحديات.
من جانبه عقد الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، اجتماعًا موسعًا خلال هذا الأسبوع لمتابعة موقف الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية، والاطمئنان على توافرها بالأسواق، في ضوء تطورات الأحداث الإقليمية الراهنة، مع مراجعة معدلات الضخ والتداول والتخزين، وموقف مخزون القمح والحبوب.
وأكد الوزير، خلال الاجتماع الذي ضم قيادات الوزارة والجهات التابعة، أن الأرصدة الحالية من السلع الأساسية تؤكد توافر مخزون آمن يكفي لعدة أشهر، بما يتسق مع استراتيجية الدولة لتعزيز الأمن الغذائي، مشيرًا إلى انتظام عمليات التخزين داخل الصوامع وفق أعلى معايير الجودة والسلامة، مع المتابعة الدورية لحالة الصوامع والشون المطورة للحفاظ على جودة الأقماح والحبوب وتقليل الفاقد.
واستعرض الاجتماع موقف التعاقدات الحالية والمستقبلية لتأمين احتياجات البلاد من السلع الاستراتيجية، حيث وجّه الوزير بضرورة الاستمرار في سياسة تنويع المناشئ ومصادر الاستيراد، بما يعزز مرونة منظومة الإمداد ويحد من تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية، مع الإدارة الاستباقية لملف التعاقدات لضمان تغطية الاحتياجات خلال الفترات المقبلة بصورة آمنة ومستدامة.
وشدد وزير التموين على المتابعة اليومية لسلاسل الإمداد سواء من خلال الإنتاج المحلي أو التعاقدات الخارجية، مع التنسيق الكامل مع الجهات المعنية لتسريع إجراءات الإفراج عن الشحنات وتعزيز المخزون الاستراتيجي أولًا بأول، بالتعاون مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
كما أكد استمرار ضخ السلع بكميات مناسبة في مختلف المنافذ التموينية والأسواق، بالتوازي مع تكثيف الحملات الرقابية لضبط الأسواق ومنع أية ممارسات احتكارية أو زيادات غير مبررة في الأسعار، خاصة مع زيادة معدلات الاستهلاك خلال شهر رمضان.
وأكد فاروق أن الدولة تمتلك منظومة متكاملة لإدارة الاحتياطي الاستراتيجي تتمتع بالمرونة والجاهزية للتعامل مع مختلف المستجدات، بما يحقق الأمن الغذائي ويضمن استقرار الأسواق وتلبية احتياجات المواطنين بصورة مستدامة.