آراب فاينانس: في وقت يخوض فيه الاقتصاد المصري سباقًا مع الزمن لتحفيز النمو، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، تأتي منظومة الإصلاحات والحزم التيسيرية الضريبية في مقدمة الأدوات التي تراهن عليها الدولة لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الاستثماري حيث لم تعد المسألة تقتصر على مجرد تحصيل الموارد المالية ، بل تحولت إلى رؤية شاملة تستهدف تبسيط الإجراءات، وإنهاء تراكم المنازعات القديمة، ودمج الاقتصاد غير الرسمي عبر أنظمة ضريبية مبسطة ورقمنة كاملة للخدمات ومع ذلك فإن نجاح هذه التسهيلات على أرض الواقع يواجه اختبارات وتحديات صعبة؛ تحكمها البيروقراطية، ومدى قدرة البيئة التشريعية والإجرائية على تحقيق الاستقرار والشفافية التي يطلبها المستثمر قبل ضخ أي رأس مال جديد.
ووفق أحمد كجوك وزير المالية فإن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية، التي أقرها مجلس النواب، تعكس نهج الدولة في دعم النمو، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع قاعدة الامتثال الطوعي، دون فرض أعباء ضريبية جديدة، بما يسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري وترسيخ بيئة أعمال أكثر جاذبية للاستثمار.
أهم الآثار الاقتصادية للإصلاح الضريبي
يقول الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن مصر تشهد منذ منتصف عام 2026 حركة إصلاح ضريبي واسعة، تُوّجت في يوليو بحزمة جديدة من التيسيرات، أبرزها استحداث بطاقة ضريبية مؤقتة لمدة ثمانية أشهر لتسريع تأسيس الشركات، وتقليص مدة رد ضريبة القيمة المضافة من 45 يوماً إلى 7 أيام عمل فقط، إلى جانب خفض ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية من 14% إلى 5%، ورفع حد الإعفاء الضريبي عن العقارات السكنية من مليوني جنيه إلى 8 ملايين جنيه. هذه الخطوات لا تُقرأ كإجراءات إدارية منفصلة، بل كجزء من فلسفة جديدة أعلنتها وزارة المالية، تقوم على الانتقال من منطق الفحص الشامل والرادع إلى منطق الشراكة والامتثال الطوعي والقائمة البيضاء.
ويرى العسيلي أن أهم الأثار الاقتصادية لهذه الإصلاحات هو دمج الاقتصاد غير الرسمي فى الاقصاد الرسمى للدولة حيث يستهدف النظام الضريبي المبسط والمخصص للمنشآت التي لا يتجاوز حجم أعمالها 20 مليون جنيه سنويًا، معالجة أحد أكثر الملفات إلحاحًا في الاقتصاد المصري، وهو اتساع القطاع غير الرسمي، وتأتى الحوافز المطروحة - من إعفاء عام يشمل أول 20 ألف جنيه من الدخل، وشريحة صفرية لمن يقل دخلهم السنوي عن 600 ألف جنيه، إلى تبسيط السجلات المحاسبية - تخفّفاً لعبء الالتزام الإداري والذي طالما كان الحاجز الأول أمام خروج المنشآت الصغيرة من الظل، غير أن التحدي الحقيقي لم يكن تشريعيًا بقدر ما هو حافز وثقة؛ فجاذبية الاندماج الطوعي مرهونٌ بقدرة الدولة على إثبات أن "الالتزام" لن يتحول فى يوم ما إلى بوابة جديدة للمساءلة الرجعية أو إعادة فرض الأعباء غير المتوقعة، وهو ما يفسر لماذا واكبت الحزمة إجراءً موازيًا يسمح بتعديل الإقرارات عن الفترة من 2020 إلى 2024 دون فرض أى غرامات.
أثر الإصلاحات على الموازنة العامة
فيما يتعلق بأثر الإصلاحات على الموازنة العامة والإيرادات أشار العسيلي إلى أن المفارقة الواضحة في هذه الحزمة الجديدة أن قيام الدولة بتخيفّض الأعباء الضريبية المباشرة من خلال إعفاءات عقارية وصحية وإلغاء للازدواج الضريبي على توزيعات الأرباح بين الشركات القابضة والتابعة جاء في الوقت الذي تسعى فيه الدولة لزيادة الحصيلة الضريبية، وبهذا يتضح أن المنطق هنا قائم على توسيع القاعدة الضريبية بدلاً من رفع المعدلات وبالتالي فكل ممول جديد يدخل المنظومة الرسمية، حتى وإن كان بمعدلات مخفّضة، فهو بذلك يضيف للمنظومة إيرادًا لم يكن قائمًا فى الأصل، إلى جانب ذلك، فإن تسريع رد ضريبة القيمة المضافة إلى 7 أيام فقط، رغم أنه يبدو تكلفة تدفعها الخزانة على المدى القصير، فهو بذلك يقلّل من تراكم المستحقات المتنازع عليها ويُحسّن من فعالية جودة التحصيل. أما تجديد قانون إنهاء المنازعات الضريبية فيفتح الباب أمام استرداد مستحقات متراكمة كانت عالقة في أروقة المحاكم لسنوات، وهو ما يمثل إضافة سريعة للإيرادات دون انتظار دورة تحصيل كاملة.
وكشفت البيان المالى لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 33% مقارنة بالعام السابق، لتسجل 3.5 تريليون جنيه، مقابل 2.65 تريليون جنيه في عام 2025/2026.
وشَكّلت بذلك "الضرائب" نسبة 87% من إجمالي الإيرادات المستهدفة البالغة 4 تريليونات و54 مليار جنيه، فيما كانت النسبة المستهدفة في العام المالي الجاري 2026/2025، هي 85.3%..
وأوضحت البيانات أن الإيرادات الضريبية سجلت ما يعادل 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2026/2027، مقابل 7.9% في العام السابق
من الناحية الضريبية وتأثيرها على البيئة الاستثمارية في مصر يقول ممدوح فاروق إبراهيم رئيس لجنة الضرائب بجمعية خبراء الضرائب المصرية في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن الحكومة ممثلة فى الإدارة الضريبية انتهجت فلسفة جديدة فى التعامل مع الممول وذلك كجزء من المسار الإصلاحى المتدرج، حيث قامت الحكومة بإصدار الحزمة الأولى من التيسيرات الضريبية فى عام 2025 ثم تلاها الحزمة الثانية خلال هذا العام فى نهاية شهر يوليه.
وحسب إبراهيم فقد صدرت الحزمة الأولى من التيسيرات الضريبية متمثلة فى القوانين أرقام 4 و 5 و 6 و 7 لسنة 2025 وهدفها إنهاء النزاعات القائمة بين مصلحة الضرائب، والممولين عن السنوات حتى سنة 2019 سواء للملفات التى تحاسب تقديريًا أو دفتريًا، حيث يتم إنهاء النزاع عن الملفات التى تحاسب تقديريًا مقابل سداد نسبة 30% من ضريبة الإقرارالضريبي لكل سنة على حدة، وفى حالة وجود خسائر بالإقرار، أو عدم تقديم الإقرارات الضريبية، أو الإقرارات الصفرية فإنه يتم سداد نسبة 140 % من ضريبة أخر اتفاق مع الممول، أما بالنسبة للملفات التى تحاسب دفتريا فيتم إنهاء النزاع صلحًا مقابل تنازل مصلحة الضرائب عن مقابل التأخير والمبالغ الإضافية.
وأضاف إبراهيم أن هذه القوانين أقرت العديد من التيسيرات الضريبية منها عدم تجاوز مقابل التأخير أو الضريبة الإضافية نسبة 100 % من الضريبة الأصلية. كما صدر القانون رقم 30 لسنة 2023 بموجب المادة الثالثة وذلك لإنهاء المنازعات للممولين المكلفين اللذين لا يتجاوز حجم أعمالهم 10 مليون جنيه، وذلك بمبالغ وبنسب ضريبية مخفضة من رقم الأعمال وهي قيمة الإيرادات كما صدر أيضا القانون رقم 6 لسنة 2025 للمنشآت والشركات التى لا يتجاوز رقم أعمالهم 20 مليون وأجاز المشروع تجاوز رقم الأعمال بنسبة 20% ولمرة واحدة خلال خمس سنوات، أي أنه حتى 24 مليون جنيه يتم المحاسبة بنسب ضريبية مبسطة طبقا لرقم الأعمال.
ضرورة بناء جذور الثقة بين الممول ومصلحة الضرائب
أوضح إبراهيم أن الهدف من هذه التعديلات، هو بناء جذور الثقة بين الممول ومصلحة الضرائب، والقضاء على النزاعات القائمة، ومن جهة أخرى تم القضاء على العديد من النزاعات وتحصيل الضرائب التى كان متنازع عليها، والتعجيل بالحصيلة الضريبية والحفاظ على حقوق الخزانة العامة للدولة، والوصول إلى حصيلة ضريبية أكثر استدامة من خلال توسيع قاعدة الممولين ودمج الاقتصاد غير الرسمى وتحسين كفاءة التحصيل.
وتابع: على الرغم من تحديد رقم الأعمال فى قانون 6 لسنة 2025 بواقع 20 % وتتم الزيادة لمرة واحدة، إلا أنني أرى أنه كان يجب زيادة هذا الحد إلى 40 مليون جنيه على الأقل نتيجة التضخم الناتج عن التعويم منذ 2016 حتى الآن.
وأكد أن إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف فى الأوراق المالية المقيدة فى البورصة يساهم إلى حد كبير فى زيادة الاستثمارات فى الأوراق المالية المقيدة فى البورصة المصرية وانتعاش السوق المصري وجذب رؤوس الأموال الأجنبية لعدم خضوعهم للضريبة على عمليات التصرف فى الأسهم المقيدة، كذلك إعفاء التوزيعات التى تحصل عليها الشركات القابضة المقيمة من الشركات التابعة المقيمة وغير المقيمة، دون إضافة نسبة 10 % من هذه التوزيعات إلى الوعاء كما كان يحدث قبل صدور القانون 151 لسنة 2026 إذ تهدف الدولة بذلك الى جذب الاستثمارات والكيانات الضريبية الكبرى بهدف تأسيس شركات قابضة وأم تقوم بالاستثمار وممارسة أنشطة يكون مركزها مصر.
في هذا السياق اعتبر العسيلي أن أهم التعديلات والتى يراها أكثر جرأة، تتركز في إلغاء الازدواج الضريبي على توزيعات الأرباح، إلى جانب رد ضريبة القيمة المضافة الأسرع، وهما من أهم مؤشرات رفع تصنيف مصر كوجهة للاستثمار المباشر مقارنة بأسواق إقليمية أخرى لا تزال تعاني من بطء إجراءات مماثلة.
تأثير الإصلاح الضريبي على البورصة المصرية
وقد كان من أهم الأثار على البورصة حسبما يرى العسيلي، أن استُبدلت ضريبة الأرباح الرأسمالية بضريبة دمغة بواقع نصف في الألف على كل من البائع والمشتري، محليين كانوا أو أجانب، مع تحصيلها مباشرة عند تنفيذ الصفقة دون إلزام المستثمر بفتح ملف ضريبي أو تقديم إقرارات سنوية، وهو ما يُعد بساطة إجرائية قد تكون الأكثر جذباً للمتداولين من خفض المعدل نفسه. أما عن الشركات التي تُقيّد أسهمها للمرة الأولى، فقد كان قرار مُنح خصم نقدي يعادل 15% من قيمة الضريبة المستحقة في أول إقرار، لمدة ثلاث سنوات، وهو حافز واضح وإن كان ليس كافيًا وحده لدفع الشركات الكبرى للإدراج ما لم يقترن بتحسّن حقيقي في السيولة والتقييمات السوقية.
بينما يؤكد مصطفى أمين المحلل المالي بشركة برايم القابضة للاستثمارات المالية أن هذه الحوافز التي تُقدم للشركات تؤثر على تقييم الأسهم للشركات المُقيدة لافتًا إلى أن جذب الاستثمارات الأجنبية يتوقف على مناخ الاستثمار المحلي وجودته وعمقه وتنوعه، لأن كلاهما مرتبط بالآخر، حيث لن يقدم مستثمر أجنبي على الاستثمار في السوق إلا بعد تقييم الاستثمارات المحلية ذاتها.
وأضاف أمين أننا شهدنا منذ أكثر من ثلاث سنوات توجهات من جانب الدولة للإصلاح الاقتصادي النقدي والمالي ثم التعديلات الضريبية خاصة ما يتعلق بوجودة ضريبة موحدة أفضل من الرسوم المتعددة، وذلك بالطبع ما يقضله المستثمر الأجنبي في النهاية، ويحدث حاليًا توافق بين وزارتي المالية والاستثمار حول هذا الأمر بما يدعم جذب الاستثمارات.
وأكد أمين أن نمو الشركات في الإنفاق الرأسمالي على الأصول، إلى جانب زيادة التمويل سينعكس على البورصة والتي يطلق عليها نادي الكبار حيث سيُشجع ذلك على دخول الشركات للسوق الرئيسي بداية من 100 مليون جنيه، وهو ما يزيد من عمق السوق ويعطي فرصة لتوسع الشركات.
وعلى صعيد السيولة النقدية للشركات، فإن آلية الرد الفوري لضريبة القيمة المضافة، وتسهيل إعدام الديون الضئيلة، والسماح بالمقاصة بين الأرصدة الدائنة والمدينة، تصب جميعها في اتجاه واحد وهو تحرير رأس المال العامل الذي كان مقيّدًا لدى مصلحة الضرائب وذلك وفق العسيلي.
ويشدد العسيلي على أن التحول المعلن من "الفحص الشامل والرادع" إلى "الشراكة والامتثال الطوعي" يعد هو التغيير الأعمق في هذه الحزمة، لأنه يمسّ الثقافة المؤسسية للإدارة الضريبية أكثر مما يمسّ النصوص القانونية، ومثل هذا التحول لا يتحقق بقرار إداري فوري، بل يحتاج إلى وقت لإعادة تدريب الكوادر وتغيير معايير الأداء الداخلية التي اعتادت لعقود على منطق التحصيل القسري. أما تجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية فهو أداة عملية لإغلاق ملف الملفات المتراكمة، لكنه يبقى حلًا لأثر متراكم أكثر من كونه علاجًا لسبب تكرار النزاعات نفسها.
وبالنسبة لضريبة التصرفات العقارية يوضح إبراهيم أنها أصبحت بسعر موحد 2.5 % على التصرفات التى يقوم بها الشخص الطبيعى وإن تعددت التصرفات بشرط عدم الاحتراف. كما أن التصرف بالبيع والهبة أو الوصية أو تقرير حق انتفاع للأصول والفروع والزوج لا تخضع لضريبة التصرفات العقارية طبقا للتعديلات الواردة فى القانون 151 لسنة 2025 حيث أضاف عبارة البيع والتى لم تكن موجودة من قبل، ومع إطلاق تطبيق على أجهزة التليفون المحمول للمحاسبة عن التصرفات العقارية ورفع المستندات وسداد الضريبة المستحقة سيساهم ذلك فى زيادة حركة السوق العقارى ونموه خلال الفترات القادمة.
كما يشير إبراهيم إلى أن التيسيرات الضريبية شملت أيضًا الضريبة العقارية، حيث أقر القانون 3 لسنة 2026 مجموعة من التيسيرات الضريبية، إذ أجاز القانون إنهاء النزاعات المتداولة أمام اللجان والمحاكم مقابل سداد نسبة 70 % من الضريبة المتنازع عليها فى موعد غايته أول اكتوبر 2026، فضلًا عن العفو الضريبي للعقارات غير المسجلة وذلك عن الفترات السابقة لتاريخ العمل بالقانون للعقارات التى لم يسبق حصرها حتى ابريل 2027، مع تقديم إقرار إلكتروني واحد للملاك الذين يمتلكون عدة وحدات، مع تفعيل الدفع عبر تطبيق الهاتف المحمول، ورفع حد الإعفاء للسكن الخاص إذا كان صافي القيمة الايجارية السنوية أقل من 100 ألف جنيه، وهو ما يعادل 8 مليون جنيه قيمة سوقية، إلى جانب منح حافز للملتزمين بتقديم الإقرار فى المواعيد القانونية مستوفيًا البيانات، وذلك بنسبة 25 % للوحدات السكنية و 10 % للوحدات غير السكنية، وذلك من الضريبة المستحقة سنويًا، وكذلك منح حافز بنسبة 5 % من الضريبة المقررة فى حالة السداد المسبق تحت حساب الضريبة، وإعفاء 100 % من جميع غرامات التأخير السابقة فى حالة سداد الضريبة الأصلية المستحقة خلال 6 شهور من تاريخ تطبيق القانون.
وأوضح إبراهيم أنه فيما يتعلق بضريبة القيمة المضافة فقد أكدت التيسيرات الجديدة على رد الرصيد الدائن الذى مر عليه أربع فترات ضريبية متتالية، ويستثنى المكلفون من المشروعات الصغيرة التى لا يتجاوز حجم أعمالهم 20 مليون جنيه وفقا لأحكام القانون رقم 6 لسنة 2025، حيث يكتفى بمرو 3 شهور فقط لرد الرصيد الدائن. كما أصبح هناك تقليص كبير فى كمية المستندات التى يتم تقديمها لرد الرصيد الدائن مع إعطاء أولوية للمكلفين الملتزمين فى سداد الضرائب المستحقة عليهم والوفاء والامتثال بالالتزامات الضريبية، وإعطاء أولوية فى رد الرصيد الدائن لهم وذلك من خلال كارت التميز الذى تصدره مصلحة الضرائب لهم أو ما يسمى بالقائمة البيضاء.
ضرورة تطوير الكوادر البشرية
وأكد إبراهيم أن أهم اختبار حقيقي لهذه الإصلاحات ليس في عدد القوانين التى تم اصدارها، وإنما في مدى انعكاسها على ارض الواقع داخل الجهات الإدارية القائمة على التنفيذ الممثلة في المأموريات الضريبية، فالممول أو المكلف فى النهاية لا يتعامل مع نص قانونى فقط وإنما يتعامل مع إجراءات تنفيذية والتى تختلف فى التفسير والتطبيق من مأمورية لأخرى وأيضا داخل المأمورية الواحدة لحين إصدار تعليمات وكتب دورية تفسر وتوضح آلية التطبيق.
وحول تطوير العناصر والكوادر البشرية المؤهلة للتعامل مع التيسيرات الجديدة يؤكد إبر اهيم أن الكوادر البشرية هى عنصر أساسي ورئيسي لنجاح حزمة التيسيرات الضريبية، لافتًا إلى أن هذه التيسيرات الضريبية قد حققت الهدف منها إلى حد كبير نتيجة التدريب المهني المستمر لمأموري الضرائب على أحدث القوانين وآلية تنفيذها، وأن الفترة الأخيرة شهدت تغيرًا ملموسًا وفكر جديد يعتمد على الشراكة بين الممول والمصلحة.
ويشير إبراهيم إلى ضرورة قيام وزارة المالية والمصلحة العامة للضرائب بتوضيح أي لبس قد يكون لدى مأموري الضرائب عند تنفيذ التيسيرات والإصلاحات الجديدة من خلال الكتب الدورية التي تفسر وتزيل الغموض الذي قد يكون لدى بعض مأموري الضرائب على مستوى الجمهورية في فهم بعض النصوص الجديدة.
تحديات هيكلية تواجه الإصلاح الضريبي
في ختام حديثه يؤكد العسيلي على نقطة محورية وتحدي هيكلي يواجه الإصلاح الضريبي في مصر وهو خطر "التجزئة الضريبية" - أي تقسيم الشركات الكبرى صوريًا للاستفادة من مزايا مخصصة للمنشآت الصغيرة – وهو تحدي رقابي حقيقي يتطلب أدوات تدقيق بيانات متقدمة أكثر من النصوص التشريعية وحدها. وبالتوازي، فإن نجاح هذه الحزمة برمّتها مرهون بجاهزية البنية التحتية الرقمية، وبخاصة منظومتي الفاتورة والإيصال الإلكتروني، لاستيعاب الحجم الإضافي من الممولين الجدد دون اختناقات تقنية تعيد إنتاج البيروقراطية التي جاءت هذه الإصلاحات أصلًا لتفكيكها. وأخيرًا ، فإن حزمة يوليو 2026 تمثل محاولة متكاملة لإعادة تشكيل العلاقة بين الممول والدولة، عبر مسار مزدوج، وهو تخفيف الأعباء المباشرة، وتسريع الإجراءات ونجاحها الفعلي لن يُقاس بعدد القرارات المعلنة، بل بمدى قدرة الإدارة الضريبية على ترجمتها في الممارسة اليومية بالسرعة والشفافية نفسيهما اللذين وُعد بهما، وهو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كانت هذه الإصلاحات نقطة تحول فعلية أم مجرد حزمة تحفيزية أخرى تضاف إلى سجل طويل من المحاولات السابقة.
وأظهر التقرير المالي الشهري الصادر عن وزارة المالية لشهر يوليو 2026 أن الإصلاحات التي نفذتها وزارة المالية، وفي مقدمتها إطلاق حزمة الإصلاحات الضريبية، وتطوير الخدمات الضريبية، وتعزيز الشفافية، أسهمت في تحقيق نتائج إيجابية خلال الفترة من يوليو إلى مايو 2025/2026، انعكست بصورة واضحة على مؤشرات الأداء المالي للدولة حيث ارتفع الفائض الأولي بصورة ملحوظة، محققًا معدل نمو سنوي بلغ 70%، ليصل إلى 985.1 مليار جنيه، بما يعادل 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من يوليو إلى مايو 2025/2026، مقارنة بنحو 580.4 مليار جنيه، تمثل 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة المناظرة من العام المالي السابق.
وأرجع التقرير هذا التحسن إلى النمو القوي في الإيرادات الضريبية، التي ارتفعت بنسبة 27.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتسجل 2.488 تريليون جنيه خلال أول أحد عشر شهرًا من العام المالي، بما يعادل 11.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح التقرير أن هذه الزيادة جاءت نتيجة النمو المتكامل في حصيلة مختلف أنواع الضرائب، مدفوعة بتحسن العلاقة مع مجتمع الأعمال، واستمرار جني ثمار الحزم الضريبية التي تمثل إصلاحًا هيكليًا ومستدامًا، خاصة فيما يتعلق بضريبة الدخل وضريبة النشاط التجاري والصناعي، في ظل التسهيلات الممنوحة للشركات الصغيرة والمتوسطة.