آراب فاينانس: لاتزال قضية فرض رسوم على بعض الصادرات المصرية لدول الاتحاد الأوربي، محل اهتمام كبير من جانب رجال الصناعة في مصر، فيما يعرف بـ ضريبة الكربون الأوروبية.
ومؤخرًا، ألزم المجلس الأعلى للطاقة في مصر المصانع الكبرى خاصة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بتدبير جزء من احتياجاتها التشغيلية من خلال الاعتماد على الطاقة الشمسية، لتخفيف الأعباء عن المنظومة التقليدية، وبما يتماشى مع توجهات الاستدامة وخفض الانبعاثات.
التحدي للتحول الأخضر بيئي واقتصادي في ذات الوقت
من جانبه قال المهندس خالد نجيب، رئيس مجلس إدارة شركة هيدروجين مصر، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن قدرة المصانع المصرية للتحول نحو الطاقة النظيفة ليست شيئًا سهلًا، وينبغي أن نكون واقعيين فالتحول الكامل، والسريع للطاقة النظيفة، له معايير محددة، ويجب هنا أن نفرق بين مصنع جديد يمكن تصميمه وفق معايير منخفضة الكربون، وبين مصنع قائم منذ عشرات السنين يعتمد على الغاز أو الوقود التقليدي.
ويوضح نجيب أن ضريبة الكربون الأوروبية والتي ستشمل عدد من الصناعات المصرية أبرزها الحديد والصلب والألومنيوم والأسمدة ستفرض تكلفة إضافية غير مباشرة على المصانع المصرية المصدّرة، مما قد يضعف تنافسيتها مقارنة بمصانع أوروبية حصلت على دعم حكومي ضخم للتحول الأخضر، لذلك التحدي ليس بيئيًا فقط، بل اقتصادي وتجاري أيضًا.
بينما يؤكد الدكتور طارق عيد الخبير والمستشار البيئي، أن هذا التحول نحو آلية تعديل حدود الكربون سيؤثر على صادرات مصر للاتحاد الأوروبي في القطاعات المشمولة (مثل الحديد والصلب، والأسمنت، والأسمدة، والألومنيوم، وسيجعل البيانات الموثقة للانبعاثات (MRV) عاملًا حاسمًا لتقليل الفاتورة الكربونية وتجنب القيم الافتراضية العقابية.
وأظهرت نشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في يناير 2026 عن الفترة من يناير حتى نوفمبر 2025 زيادة للصادرات المصرية غير البترولية مقارنة بالفترة المماثلة لعام 2024، حيث ارتفع إجمالي الصادرات غير البترولية خلال تلك الفترة إلى 42.8 مليار دولار مقارنة بـ 36.1 مليار دولار خلال ذات الفترة في عام 2024، بزيادة تصل لـ 6.7 مليار دولار.
ووفق الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة تمثل صادرات مصر إلى الاتحاد الأوروبي من المنتجات المشمولة في آلية تعديل حدود الكربون ما نسبته 6.94% من إجمالي صادرات مصر، و 21.8% من صادرات مصر إلى الاتحاد الأوروبي، أما صادرات الأسمدة إلى الاتحاد الأوروبي فقد بلغت قيمتها أكثر من 46% من إجمالي قيمة صادرات الأسمدة المصرية، وتمثل التجارة مع الاتحاد الأوروبي نحو 20% من تجارة مصر.
وطالب عيد، بضرورة إنشاء سجل انبعاثات صناعي موحد بالمصانع المصرية مع صدور قرار وزاري مشترك يلزم المنشآت المُصدرة للاتحاد الأوروبي في هذه القطاعات المشمولة من الاتحاد الأوروبي بتخفيض الانبعاثات الكربونية.
من جانبها قالت الدكتورة داليا سمير، خبيرة الطاقة إن ضريبة الكربون الأوروبية أو آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) ليست إجراءً عقابيًا بقدر ما هي أداة تجارية وتنظيمية تهدف إلى منع ما يُعرف بـ تسرب الكربون، أي انتقال الصناعات كثيفة الانبعاثات إلى أوروبا عبر دول أقل التزامًا بالمعايير البيئية.
وتتفق معها الدكتورة ثريا سعدة مديرة مركز البصمة الكربونية بجامعة هليوبوليس حيث ترى أن فلسفة هذه الضريبة الأوروبية ليس تحميل المصنعين تكاليف أكبر على منتجاتهم، بل الهدف منها الحد من الانبعاثات الكربونية، خاصة الصناعات التي تستخدم كمية كبيرة من الطاقة والمواد الخام مما ينتج عنها انبعاثات كربونية عالية.
معظم المصانع المصرية لا تمتلك أنظمة دقيقة لقياس الانبعاثات
وحول استعداد المصانع المصرية للشروط البيئية الأوروبية تشير سمير إلى أنه من حيث الاستعداد، يمكن القول إن الاستعداد لا يزال جزئيًا ومحدودًا، فمعظم المصانع المصرية لا تمتلك حتى الآن أنظمة دقيقة لقياس وتوثيق الانبعاثات الكربونية، وهو الشرط الأساسي للتعامل مع CBAM، وقد كانت مرحلة (2023–2025) هي مرحلة إبلاغ فقط، لكنها تمثل فرصة ذهبية للاستعداد مع بدء التطبيق المالي الكامل خلال 2026.
وتشير سعدة إلى أن الاتحاد الأوروبي يرى أن فرض ضريبة على الانبعاثات الكربونية لكل منتج يدخل دول الاتحاد سيجعل الشركات والمصانع تضع حدود للانبعاثات الكربونية الصادرة عنها بما يحافظ على البيئة ويحسن الأداء البيئي لهذه الشركات، والمصانع.
وتضيف سعدة أن تخفيض الانبعاثات الكربونية سيقلل من تكاليف الطاقة المستخدمة في هذه المصانع، وسيسمح لها بالحصول على عوائد مالية أكبر نتيجة زيادة التصدير الناتج عن تخفيض الانبعاثات الكربونية والالتزام بشروط الاتحاد الأوروبي.
وأشارت سعدة إلى أن هناك جهود للدولة حاليًا في توفير محطات الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة بما يسمح بتخفيض الانبعاثات الكربونية في المصانع.
وتستهدف الحكومة وفق الموقع الرسمي لوزارة الكهرباء المصرية أن يتكون مزيج الطاقة بحلول عام 2035 من 21.3 % من الخلايا الشمسية، و5.52 من المركزات الشمسية، و1.98 % من الطاقة المائية، و57.33% من الطاقة التقليدية وذلك وفق اعتمد الاستراتيجية المصرية للطاقة حتى عام 2035.
ويطالب عيد الحكومة بضرورة إدراج متطلبات آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية ضمن اشتراطات التراخيص للمصانع وتوسعاتها كمتطلب تنافسي.
حتمية توافق المصانع المصرية مع المعايير الأوروبية
وترى سمير، أن هناك العديد من الإجراءات التي ينبغي اتباعها بخلاف إدراج متطلبات آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية ضمن اشتراطات التراخيص للمصانع التي أكد عليها عيد، وذلك من خلال ثلاث مستويات الأول، وهو المستوى الحكومي حيث يجب وضع إطار وطني واضح لقياس الانبعاثات (MRV) ليكون متوافق مع المعايير الأوروبية مع دعم المصانع فنيًا وتمويليًا للتحول التدريجي، خاصة في القطاعات الأكثر تأثرًا مثل الأسمنت، الحديد، الأسمدة، والألومنيوم إلى جانب الإسراع في بناء سوق كربون محلي أو آلية معترف بها دوليًا.
كما ينبغي وفق سمير البدء فورًا في قياس البصمة الكربونية لكل منتج مخصص للتصدير مع تحسين كفاءة الطاقة، وزيادة الاعتماد على الكهرباء النظيفة والطاقة المتجددة، ودراسة إدخال الهيدروجين الأخضر أو الوقود منخفض الكربون كبديل جزئي في العمليات الصناعية، أما الإجراء الثالث فهو على مستوى الصادرات حيث ينبغي فهم أن آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية ستؤثر مباشرة على القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في أوروبا، إما من خلال رسوم إضافية أو فقدان الحصة السوقية إذا لم يتم التكيف وبالتالي يجب إعادة هيكلة الصناعة المصرية لتصبح أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على المنافسة عالميًا.
في حين يشير نجيب إلى أنه في مقابل هذه التحديات البيئية والاقتصادية، فمصر تمتلك ميزة استراتيجية مهمة ومنها الموارد القوية من الطاقة الشمسية والرياح إلى جانب الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، فضلًا عن قاعدة صناعية كبيرة في قطاعات مستهدفة أوروبيًا.
ويؤكد نجيب أن حل تلك الإشكاليات لا يكمن في تحميل المصانع أعباء مفاجئة، بل في تحول تدريجي ومدروس يشمل استبدال جزئي للوقود التقليدي بالهيدروجين الأخضر أو منخفض الكربون في الصناعات الثقيلة مع إنشاء مشروعات هيدروجين مرتبطة مباشرة بالمصانع لتقليل التكلفة كذلك ينبغي ربط التحول الأخضر بآليات تمويل دولية، وليس فقط بتمويل محلي.
ويشدد نجيب على أنه إذا لم تتحرك المصانع المصرية الآن، فإن آلية تعديل حدود الكربون قد تتحول إلى عائق تنافسي حقيقي، أما إذا تم التعامل معها كأداة لإعادة تموضع الصناعة المصرية، فقد تصبح فرصة لتعزيز الصادرات وجذب استثمارات جديدة.
ووصلت صادرات مصر من الأسمدة لنحو 2 مليار دولار منهم 1.6 مليار دولار للاتحاد الأوربي، بينما بلغت قيمة صادرات مصر من الألومنيوم 7.78 مليار دولار منها 7.5 مليار دولار لدول الاتحاد الأوروبي، كما بلغت قيمة صادرات مصر من الأسمنت مليار دولار منها 504 مليون دولار للاتحاد الأوروبي، في حين بلغت قيمة صادرات الحديد والصلب 2 مليار دولار منهم 1.6 مليار دولار لدول الاتحاد الأوروبي، وذلك وفق موقع Trade Map.