}

كيف يتحقق التكامل الاقتصادي بين مصر والسعودية؟

أخر تحديث 2026/09/22 02:48:00 م
كيف يتحقق التكامل الاقتصادي بين مصر والسعودية؟

آراب فاينانس: تكتسب العلاقات السعودية المصرية، أهمية كبيرة خاصة العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين الجانبين، حيث تساهم الشراكة التجارية المصرية السعودية بشكل فعال في دعم الاستقرار النقدي ومساندة جهود الإصلاح الاقتصادي في مصر، بجانب فتح آفاق جديدة للنمو والتنمية عبر ضخ رؤوس الأموال في قطاعات حيوية كالصناعة، الطاقة المتجددة، العقارات، والسيارات، وعلى الجانب الآخر، تُتيح هذه الشراكة لقطاع الأعمال السعودي التوسع في سوق محوري يُعد بوابة رئيسية للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية والإقليمية.

وبلغت قيمة الاستثمارات السعودية في مصر 532.2 مليون دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل 532 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي 2024/2025. كما سجلت قيمة تحويلات المصريين العاملين في السعودية 12 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 8 مليارات دولار خلال العام المالي 2023/2024، بارتفاع نسبته 50.6%.، وفي المقابل، بلغت قيمة تحويلات السعوديين العاملين في مصر 125.1 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 11.6 مليون دولار خلال العام المالي 2023/2024، بزيادة بلغت 980%، وذلك وفق أحدث تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

أهمية زيارة الأمير محمد بن سلمان لمصر

واعتبر الخبير الاقتصادي، الدكتور رمزي الجرم، أن زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة الأمير محمد بن سلمان إلى مصر تمثل دفعة قوية ومحطة استراتيجية كبرى، لتعزيز الشراكة الاقتصادية وتوسيع حجم الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، لا سيما في القطاعات الحيوية كالطاقة الجديدة والمتجددة والعقارات والنفط والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والسياحة والبنية التحتية والتطور العقاري والصناعة، خصوصًا بعد توجه الجانبان الى اتفاق لضخ استثمارات سعودية جديدة بأكثر من 10 مليارات دولار أمريكي.

وأضاف الجرم، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس أن التقارب المصري السعودي يأتي في ظل تَنامي حجم الاستثمارات والتبادل التجاري بين البلدين بشكل ملحوظ، خصوصًا خلال العشر سنوات الماضية، إذ بلغت الاستثمارات السعودية في مصر ما يُجاوز 37 مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2025، مع ضخ رؤوس أموال جديدة بقيمة 1.5 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2026، فضلا عن الربط الكهربائي بين البلدين والذي تبلغ قيمته 1.8 مليار دولار أمريكي، بالإضافة الى الطفرة غير المسبوقة في مجال الاستثمارات العقارية، والتي تشهد نموًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، حيث يعد القطاع العقاري المصري أحد أهم القطاعات الجاذبة لرؤوس الأموال السعودية والعربية، حيث يأتي هذا في ظل اعتزام الجانبين إنشاء تحالف سعودي مصري لتأسيس صندوق استثمار عقاري تحت مسمى "أصل" لضخ نحو مليار ريال سعودي ما يوازي 266.7 مليون دولار أمريكي خلال عام واحد.

وأرجع الجرم التقارب المصري السعودي، بشكل أساسي إلى الوزن الإقليمي والسياسي والاقتصادي للبلدين، وقدرتهما على التأثير بشكل كبير في القضايا التي تَمُس الأمن القومي العربي، من الخليج الى البحر الأحمر، بما في ذلك، أمن الطاقة والملاحة، إذ أن أمن البحر الأحمر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن الممر الملاحي لقناة السويس وكافة المصالح البحرية لمصر، وأيضًا بالموانئ البحرية السعودية، ما يجعل استقرار المنطقة، يتجاوز أي حسابات ثنائية.

ينبغي تعزيز الاستقرار الاقتصادي بين البلدين

بينما ترى الدكتورة مروة الشافعي، خبيرة التمويل والاستثمار أن أهمية زيارة الأمير محمد بن سلمان من الناحية الاقتصادية تتمثل في أنها تمت في توقيت تحتاج فيه المنطقة إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وسلاسل التجارة والاستثمار، خصوصًا مع التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على حركة الملاحة والطاقة وتكلفة التمويل.

وأضافت الشافعي، أن هذه الزيارة تسلط الضوء على قدرة مصر على إدارة الملف السياسي وحملت رسالة بأن العلاقة المصرية السعودية لا تقتصر على التنسيق السياسي فقط، وإنما لها قاعدة اقتصادية واستثمارية كبيرة يمكن البناء عليها، وقد ركزت المباحثات أيضًا على أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ملف اقتصادي بقدر ما هو ملف أمني، لأن اضطراب الملاحة يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في التجارة وسلاسل الإمداد.

وأوضحت الشافعي أن الأرقام والبيانات تعكس حجم العلاقة بين البلدين حيث بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 18.1 مليار دولار في 2025، بزيادة 11%، بينما وصل خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 7.1 مليار دولار بزيادة تقارب 20% عن الفترة نفسها من 2025 لافتة إلى أن أهمية الزيارة اقتصاديًا تكمن في الانتقال من علاقات تجارية واستثمارات منفردة إلى شراكة اقتصادية أكثر مؤسسية، تشمل الاستثمار المباشر، والصناعة، والطاقة، واللوجستيات، والتمويل والتكنولوجيا.  

وأكدت الخبيرة الاقتصادية أن اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة بين مصر والسعودية تعد من الاتفاقيات الهامة جدًا بين البلدين لأنها تنقل العلاقة الاستثمارية من الثقة السياسية فقط إلى إطار قانوني أكثر وضوحًا حيث إن الاتفاقية التي وقعت في 15 أكتوبر 2024، وأقرها مجلس النواب المصري في مارس 2025، تتضمن حماية من نزع الملكية التعسفي، وتسهيلات لتحويل العوائد، وآليات لتسوية منازعات الاستثمار، لكن من وجهة نظري، أهميتها ليست فقط في حل النزاع بعد حدوثه وإنما في منع ارتفاع المخاطر القانونية من البداية، فكلما أصبحت هذه الإجابات أكثر وضوحًا، انخفضت المخاطر التي يضعها المستثمر في حساباته، والاتفاقية نفسها تعطي أهمية لنقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل والتنمية المستدامة، وبالتالي فهي لا تنظر إلى حماية رأس المال بمعزل عن الأثر الاقتصادي للاستثمار.

التحديات التي تواجه المستثمرين في مصر

وفيما يتعلق بأبرز العقبات البيروقراطية أو الإجرائية التي ما زالت تواجه المستثمر السعودي عند التعامل مع الجهات الحكومية شددت الشافعي على أنها لا أعتقد أن المشكلة الرئيسية اليوم هي غياب التشريعات أو الحوافز حيث إن مصر قامت بالفعل بخطوات كبيرة في هذا الاتجاه، لكن المشكلة التي يجب أن نركز عليها الآن هي زمن التنفيذ، فالمستثمر قد يحصل على الموافقة الاستثمارية، لكن المشروع يحتاج بعد ذلك إلى مجموعة من الموافقات والتراخيص والتوصيلات والإجراءات المرتبطة بالأرض والإنشاء والتشغيل ومن هنا يصبح السؤال، كم يومًا يحتاج المشروع لكي يتحول من موافقة على الورق إلى تدفق نقدى فعلي؟ ومن الأهمية بمكان إعطاء الأولوية للإجابة عن هذا السؤال لأنه ينعكس على تكاليف مثل تكلفة التمويل، وتكلفة الأرض، وتكلفة العمالة، وتكلفة الفرصة الضائعة، وإن كان هناك بالفعل تقدم في معالجة نسبة كبيرة من التحديات التي تواجه المستثمرون السعوديون لكن بشكل عام المرحلة القادمة تحتاج إلى قياس زمن الخدمة الحكومية كمؤشر أداء، وليس فقط عدد القوانين التي تم تعديلها بالإضافة إلى فكرة تداخل القوانين وما هى الهيئات المنوطة بالتفعيل بالإضافة إلى وجود مؤشرات رقابية.

ويوضح الجرم أنه على الرغم من تنامي العلاقات الاقتصادية والتفاهمات السياسية بين مصر والسعودية، إلا أن الآمال مازالت معقودة على زيادة حجم التبادل الاقتصادي والتجاري بين البلدين بشكل أكبر، خصوصًا في ظل وجود طرق برية تربط بين البلدين، والتي تدعم مواجهة أي توترات جيوسياسبة في الممرات الملاحية البحرية مثل مضيقي هرمز وباب المندب، مثل طريق السخنة نويبع جدة، وطريق الملك سلمان البري، في ظل الموقع الجغرافي المتميز لمصر، وباعتبارها البوابة التجارية لقارة أفريقيا.

وتوقع الجرم أنه وبعد تهيئة البنية التحتية من طرق وكباري وثورة رقمية حديثة أن تشهد الاستثمارات السعودية في القطاع العقاري المصري، طفرة كبيرة خلال الفترة القليلة القادمة، خصوصًا في منطقة الساحل الشمالي الغربي الذي يُحظى باهتمام بالغ، بعد عقد صفقات استثمار مباشر في ذات المنطقة، ومن أهمها صفقة رأس الحكمة ، والتي ستفتح الباب على مصراعيه، لتدفق المزيد من رؤوس الأموال العربية والخليجية بشكل عام، والاستثمارات السعودية بشكل خاص خلال تلك الفترة تحديدًا، يأتي هذا في ظل الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية، والذي انعكس على استقرار سوق الصرف الأجنبي بشكل كبير، بعد القضاء على السوق الموازية للصرف الأجنبي بشكل كامل، ما أدى الى وجود سعر وحيد للدولار الأمريكي والعملات الأجنبية الأخرى أمام الجنيه المصري، ما يدعم الاستقرار النقدي في البلاد، والذي كان يُعد أحد أهم التحديات أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد المصري.

وحول رؤيتها لشكل التعاون الأمثل بين الجانبين خلال الفترة المقبلة تؤكد الشافعي أن هناك تقاطع واضح بين أهداف "رؤية المملكة 2030" وبرامج الإصلاح الاقتصادي المصري فالسعودية تريد تنويع اقتصادها، وتنمية قطاعات جديدة، وتمكين القطاع الخاص، وتحقيق عوائد استثمارية طويلة الأجل، ومصر تريد في المقابل زيادة الاستثمار الخاص، وتعميق التصنيع، وزيادة الصادرات، وجذب العملة الأجنبية، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي، لذلك يمكن أن يصبح الاستثمار السعودي في مصر امتداداً لرؤية 2030 السعودية وفي الوقت نفسه أداة لدعم الإصلاح الاقتصادي المصري، وأرى أن أفضل نموذج هو الذي يجمع رأس المال السعودي والسوق المصرية وقاعدة الإنتاج المصرية والتكنولوجيا بالإضافة إلى أسواق التصدير، أي أن الاستثمار لا يتوقف عند دخول الأموال، وإنما يتحول إلى إنتاج وتصدير وتكنولوجيا.

الاستثمارات السعودية تساهم في زيادة فرص العمل وارتفاع حجم الصادرات

من جانبه قال النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب المصري، ووكيل لجنة القوى العاملة، إن الاستثمارات السعودية في مصر تساهم في زيادة فرص العمل إلى جانب دورها في زيادة حجم الصادرات المصرية للخارج لافتًا إلى أن هناك جانب آخر يتعلق بالكوادر المهنية والعمالة المصرية في السعودية حيث تعد السعودية أكبر مستقبل للأطباء المصريين العاملين بالمملكة.

وحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فقد بلغ عدد المصريين المقيمين في المملكة العربية السعودية، وفقاً لتقديرات البعثة الدبلوماسية، 4 مليون نسمة حتى نهاية عام 2025.

وأكد منصور أن الاستثمارات السعودية في مصر استثمارات ضخمة خاصة في قطاع العقارات كما أن هناك الكثير من المهندسين المصريين العاملين في مشروعات عقارية بالسعودية، فضلا عن شركات عقارية مصرية كبرى تعمل بالمملكة العربية السعودية أيضًا مشيرًا إلى أن هناك مصالح مشتركة بين الجانبين تساهم في دعم العلاقات بين البلدين.

وطالب منصور، بضرورة وجودة نقلة نوعية في مجال التكنولوجيا لتسهيل كافة الإجراءت التي يحتاجها جميع المستثمرين الراغبين للاستثمار في مصر، وإن كانت هناك جهود حكومية واضحة في هذا الشأن لكن الأمر يحتاج إلى نظام تكنولوجي كامل قادر على العمل بسهولة مما ييسر على المستثمرين الراغبين للاستثمار في مصر، مشددًا على أهمية تسهيل إجراءات نقل التكنولوجيا والصناعة وتوطينها في مصر بدلًا من الاعتماد على استيراد الآلات والأجهزة والمعدات، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال إتاحة الفرص والمزايا للمستثمر الأجنبي حتى يساهم في نقل العلم والتكنولوجيا والصناعة لمصر، مما يوفر المزيد من فرص العمل للمصريين ويزيد الصادرات وتقليل الواردات، ويقلل تكاليف النقل ويؤسس للصناعات غير المتوافرة في مصر وهذه مسئولية الجهات الحكومية التنفيذية. 

وأكد منصور في ختام حديثه لـ آراب فاينانس على أهمية رسم خريطة للاحتياجات لجميع الأسواق التي تتعامل معها مصر لتحقيق التكامل الاقتصادي معها إلى جانب دراسة السوق دراسة جيدة بما يحقق مصالح الجميع، مع الأخذ في الاعتبار للمزايا النسبية التي تتمتع بها كل دولة.

 وكشف تقرير صادر حديثًا عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع قيمة الصادرات المصرية إلى السعودية بنسبة 20.5% خلال النصف الأول من عام 2026، لتسجل نحو 1.8 مليار دولار، مقابل 1.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، وفي المقابل، ارتفعت قيمة الواردات المصرية من السعودية إلى 5.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 4.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بنسبة زيادة بلغت 19.4%..

وأظهرت البيانات ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين مصر والسعودية إلى 7.1 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 5.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 19.7%.

 

أخبار مشابهة