آراب فاينانس: مع استمرار إثيوبيا في الإعلان عن مطامعها في منفذ بحري على البحر الأحمر تتحول الأزمة مع أديس أبابا من قضية تهديد الأمن المائي المصري عبر سد النهضة إلى الأمن الإقليمي في البحر الأحمر حيث تعد إثيوبيا من الدول الحبيسة، وليس لها منفذ بحري بعد استقلال إريتريا عنها عام 1993، حيث تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي إذ اعتبر خبراء المطلب الإثيوبي الجديد بمنفذ بحري على البحر الأحمر بمثابة فتح لجبهات جديدة من التوتر مع مصر حيث ترفض مصر أي مساس بأمنها البحري أو أي محاولات لإرباك التوازنات الاستراتيجية قرب مضيق باب المندب وقناة السويس وتعتبر ذلك خط أحمر.
مصر ترفض النفاذ البحري بالمخالفة للقانون الدولي
من جانبه يوضح الدكتور عباس شراقي أستاذ الموارد المائية بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، لكن القاهرة ترفض المساعي العسكرية بصرامة، تحسبًا لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة، وفي ظل ما يحدث من الجماعات الحوثية نحو باب المندب.
وأضاف شراقي أن الوضع حاليًا متوتر بين مصر وإثيوبيا، نتيجة التصريحات المستفزة من الجانب الإثيوبي، خاصة مع إعلانهم ورغبتهم في منفذ بحري على البحر الأحمر، لأن مصر ترفض وصول إثيوبيا لمنفذ بحري بطريقة غير شرعية ومخالفة للقوانين الدولية، خاصة اتفاقها مع ما تسمى "الصومال لاند" وهى كيان غير معترف به دوليًا، مما زاد الأمور تعقيدًا.
وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر الماضي، إن هناك دولًا ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذًا بحريًاعسكريًا، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولًا أفريقية كثيرة حبيسة. كما شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، على ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي، كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذًا بحريًا عسكريًا، محذّرًا من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.
العودة لطاولة المفاوضات من جديد
وفيما ينبغي أن تقوم به مصر حاليًا من إجراءات فيما يتعلق بسد النهضة يؤكد شراقي أنه بالنسبة لقضية سد النهضة ينبغي أن نعود لمسار المفاوضات مرة أخرى، للوصول لاتفاق حول تشغيل سد النهضة والتنسيق بين دول حوض النيل الشرقي مصر والسودان وإثيوبيا، لأن سد النهضة دائمًا في حالة تشغيل وإعادة ملأ طول الوقت وهو ما يستوجب التنسيق وتبادل المعلومات مع دولتي المصب مصر والسودان، إذ إن سد النهضة في حالة الملأ حاليًا ومتبقي له أيام قليلة ويملأ تمامًا، منوهًا بأنه يمكن أن يكون هناك دولة وسيطة من الدول الكبرى أو إحدى الدول العربية لتقريب وجهات النظر بين مصر وإثيوبيا للعودة لطاولة المفاوضات مرة أخرى.
وأشار إلى أنه رغم قيام إثيوبيا ببناء سد النهضة فلم تظهر أي بوادر تنمية أو تحسن للمواطن الإثيوبي لذلك تلجأ إثيوبيا لتصريحات على لسان مسئوليها مثل مخططهم لبناء 3 سدود أخرى وذلك بالطبع يستهدف التغطية على فشل الحكومة الإثيوبية في إحداث تنمية حقيقية كما كانت تدعي قبل بناء السد، ولشغل الرأي العام الإثيوبي عما تقدمه الحكومة من خدمات حقيقية للشعب الإثيوبي وذلك من خلال الدعوة لمشاريع جديدة مثل المنفذ البحري وبناء سدود جديدة.
وأوضح شراقي بأن مصر تحتفظ بحقها في الدفاع عن أمنها المائي وفق القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، حيث ترفض مصر التصرفات الآحادية من الجانب الإثيوبي، للسيطرة على مياه النيل ومصر تراقب الموقف حاليًا لاتخاذ القرار المناسب وفق الضرورة.
وفيما يتعلق بإصرار إثيوبيا على عدم التنسيق مع مصر في تشغيل سد النهضة تقول الدكتورة هالة عصام الدين الخبيرة في المنازعات المائية إن النيل له أهمية خاصة لمصر وشريان حياة لها حيث تعتمد عليه بنسبة 98% لافتة إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه لـ 472 متر مكعب سنويًا وهو ما يعادل نصف حد الفقر المائي الذي حددته الأمم المتحدة ألف متر مكعب سنويًا للفرد.
إثيوبيا ليست بحاجة لسد ضخم
وأضافت عصام الدين أن إثيوبيا لم تكن بحاجة لهذا السد الضخم لكن هناك دول لها مصالح في مياه النيل تستغل إثيوبيا كأداة لاستغلال موارد النيل بأشكال مختلفة مثل زراعة محاصيل وتصديرها أو إنشاء مصانع من خلال هذه المياه التي تعد من نصيب مصر وتحتجزها إثيوبيا من حصة مصر المائية والتاريخية مشددة على أن التعاون سيكون أفضل من الصدام بين دول حوض النيل وهناك العديد من محاولات التعاون بين دول حوض النيل والتى لم تحظ بنجاح مثل مبادرة حوض النيل.
وأكدت عصام الدين أن إثيوبيا أثبتت خلال المفاوضات السابقة أنها تمارس سياسة متعنتة في التفاوض محذرة من أن هذا التعنت قد يقلب أوضاع الإقليم ويعرضه للاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار مما يعرض شعوب الإقليم لاضطرابات اقتصادية وتوقف للمشروعات التنموية لديها.
وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا خلال اجتماع موسع عقده بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة بحضور رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة والمحافظين وعدد من كبار المسؤولين وقيادات القوات المسلحة والشرطة أن ملف السد الإثيوبي لن يكون على حساب وجود مصر وشعبها، مشددًا على أولوية الدبلوماسية والحلول السلمية.
وخلال لقائه بالرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيمي أكد الرئيس السيسي على أهمية تعزيز التعاون بين دول حوض النيل على أساس تحقيق المصالح المشتركة وعدم الإضرار بأي من دول الحوض، مشددًا على ثوابت الموقف المصري المتمثلة في الحفاظ على حقوق مصر ومصالحها المائية، باعتبارها قضية وجودية للشعب المصري.
كما أكد الرئيس السيسي دعم مصر لجهود التنمية في جميع دول حوض النيل، محذرًا من مخاطر الإجراءات الأحادية التي تمس المصالح المائية للدول المشاطئة، ومؤكدًا رفض مصر توظيف ملف مياه النيل لتحقيق مكاسب سياسية.