آراب فاينانس: يرتبط ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات ارتباطًا وثيقًا بارتفاع أسعار الوقود، وهو ما يستلزم فرض رقابة صارمة من جانب أجهزة الدولة لمنع الاستغلال ورفع الأسعار بشكل غير مبرر.
ورفعت الحكومة أسعار الوقود والغاز بنسب تتراوح بين 14 و30%، وهي الزيادة الثالثة خلال عام، ما يُتوقع أن يمتد أثره إلى تكاليف النقل والإنتاج ومن ثم أسعار السلع والخدمات حيث اقترب برميل النفط من خام برنت من 100 دولار في العقود الآجلة.
وقالت وزارة البترول والثروة المعدنية في بيان لها إن ذلك يأتي في ضوء الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي.
وأضافت الوزارة أن الاضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع مستويات المخاطر، وزيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين، قد أسفرت عن قفزة كبيرة في أسعار البترول الخام والمنتجات البترولية عالميًا، وهي مستويات لم تشهدها اسواق الطاقة منذ سنوات.
ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته بحفل الإفطار الذي نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، مشددا على ضرورة عدم استغلال هذه الظروف لرفع الأسعار أو التلاعب فيها، مشيرا إلى أننا في حالة شبه طوارئ، ويتعين ألا يتم التلاعب باحتياجات الناس.
وأكد خبراء اقتصاديون، تحدثوا لـ آراب فاينانس على ضرورة فرض رقابة حازمة من جانب أجهزة الدولة حتى لا يحدث انفلات في الأسعار، واستغلال البعض لارتفاع سعر الوقود لرفع العديد من السلع خاصة الأساسية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف وسائل النقل المختلفة والمرتبطة ارتباط وثيق بأسعار العديد من المنتجات.
بعض التجار يرفعون الأسعار بنسب غير مبررة
من جانبه قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن المستهلكين يترقبون بحذر مع كل زيادة في أسعار الوقود، حركة الأسواق، خشية أن تتحول زيادة محدودة في التكلفة إلى موجة غلاء غير مبررة تهدد القدرة الشرائية.
وأوضح العسيلي أن التجارب السابقة تشير إلى أن بعض التجار يسارعون في رفع أسعار السلع والخدمات بنسب تفوق كثيرًا التأثير الحقيقي لزيادة الوقود مستغلين حالة القلق لدى المواطنين وصعوبة التحقق من حجم الزيادة الفعلية في التكلفة، ومن هنا تتضح أهمية الدور الذي تضطلع به أجهزة الدولة المختلفة في ضبط الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية أو الاستغلالية، خاصة في اقتصاد بحجم الاقتصاد المصري الذي يتجاوز عدد سكانه 105 ملايين نسمة ويبلغ حجم إنفاقه الاستهلاكي مئات المليارات من الجنيهات سنويًا.
وأضاف العسيلي أن الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن تكلفة النقل تمثل في المتوسط ما بين 5 و10% فقط من تكلفة السلع الغذائية الأساسية، وبناءً على ذلك، فإن زيادة سعر السولار بمقدار جنيه واحد للتر قد تؤدي إلى ارتفاع محدود في تكلفة النقل لا يتجاوز غالبًا من 1 إلى 2% من سعر السلعة النهائية، غير أن الواقع العملي يشهد أحيانًا زيادات في الأسعار تتجاوز نسبة الـ 10 أو حتى 15%، وهو ما يعكس بوضوح وجود ممارسات استغلالية لا تستند إلى أسس اقتصادية حقيقية.
توقعات بموجة من التضخم خلال الأيام المقبلة
بينما يرى الدكتور عمرو جبر، الخبير الاقتصادي، أنه ورغم اعتزام الحكومة الإعلان عن حزمة جديدة لتحسين الأجور خلال أيام، تتضمن رفع الحد الأدنى للأجور، لكن هذه الإجراءات تظل بمثابة مسكنات مؤقتة في مواجهة موجة تضخم ستجتاح الأسواق خلال الفترة المقبلة، إذ إن ارتفاع أسعار السولار الذي قفز إلى 20.5 جنيه للتر يعني زيادة تكلفة النقل لكل شيء، من الخبز إلى الخضروات، ومن مواد البناء إلى المواصلات العامة، وإذا لم تكن الزيادة في الأجور حقيقية وتسبق موجة الغلاء، فإن المواطن سيظل هو الخاسر الأكبر.
وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 13.4% في فبراير مقابل 11.9% في يناير، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وأضاف جبر أن تفهم الظروف الجيوسياسية لا يعني التغاضي عن الحق في مطالبة الحكومة بتقديم رؤية بديلة تحمي محدودي الدخل، وبالتالي فالمطلوب اليوم ليس فقط ضبط الأسواق لمواجهة جشع التجار، بل إعادة النظر في فلسفة إدارة الأزمات ذاتها، لأن المواطن يتحمل العديد من الضغوط الاقتصادية منها ارتفاع سعر الوقود، وكذلك ارتفاع أسعار السلع والخدمات، إلى جانب تحميله جزء كبير من الضرائب غير المباشرة.
ينبغي التنسيق بين الجهات الحكومية لضبط السوق
وأوضح جبر أن تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة، شكلت صدمة قوية لأسواق الطاقة، حيث لا تزال مصر مستوردة صافية للنفط ومشتقاته، لكن في ذات الوقت فإن الإعلان المفاجئ عن الزيادة في الساعة الثالثة فجرًا، يعكس غياب الشفافية والحوار المجتمعي حول قرارات مصيرية تمس حياة ملايين المواطنين. كما أن التراجع عن وعد الحكومة بتثبيت الأسعار لمدة 6 أشهر الذي أُطلق في أكتوبر الماضي يفتح الباب للتساؤل عن مصداقية الوعود الحكومية في ظل غياب آليات واضحة للتعامل مع الاستثناءات.
وكانت الحكومة قد رصدت 75 مليار جنيه لدعم المواد البترولية ضمن الموازنة العامة للعام المالي الجاري، مقارنة بـ 154.5 مليار جنيه كانت مستهدفة في 2024–2025.
وتستورد مصر نحو 40% من استهلاكها من السولار، و50% من البوتاجاز، و25% من البنزين، ما يكلف الدولة نحو 366 مليون جنيه يومياً (قرابة 11 مليار جنيه شهريًا) كدعم، وذلك وفق بيان رسمي لوزارة البترول.
وشدد جبر على أن معركة ضبط الأسواق، ليست مسؤولية جهاز واحد فقط، بل هي جهد جماعي، إذ ينبغي أن يكون هناك تنسيق كامل بين وزارة التموين والتجارة الداخلية، وجهاز حماية المستهلك، والمحافظين، وحتى غرفة العمليات بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء والذي يراقب الأسواق على مدار الساعة.
في حين أكد العسيلي، على ضرورة قيام الجهات الحكومية بحملات تفتيش مكثفة للتأكد من التزام التجار بالإعلان عن الأسعار بوضوح وإصدار الفواتير ومنع المغالاة غير المبررة، حيث أثبتت التجارب أن مجرد إلزام المحال التجارية بإعلان الأسعار بشكل واضح على السلع أو الأرفف يساهم بدرجة كبيرة في الحد من التلاعب، لأنه يمنح المستهلك القدرة على المقارنة ويجعل عملية الرقابة أكثر سهولة وفعالية.
ولا تقتصر أدوات الدولة على الرقابة وحدها، وفق العسيلي بل تمتد إلى زيادة المعروض السلعي باعتباره أحد أهم الآليات الاقتصادية لاحتواء التضخم. فالقاعدة الاقتصادية المعروفة تؤكد أن ارتفاع المعروض من السلع يؤدي بطبيعته إلى استقرار الأسعار، ولهذا تعمل الدولة عبر المجمعات الاستهلاكية ومنافذ وزارة التموين ومعارض السلع والمنافذ التابعة للقوات المسلحة والشرطة على طرح كميات كبيرة من السلع الأساسية بأسعار مناسبة، الأمر الذي يخلق توازناً في السوق ويحد من قدرة بعض التجار على رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
في ختام حديثه ذكر العسيلي أن نجاح جهود الدولة في ضبط الأسواق لا يعتمد على الأجهزة الحكومية وحدها، بل يتطلب أيضاً مشاركة فعالة من المواطنين، لأن المستهلك الواعي يمثل خط الدفاع الأول ضد الاستغلال، سواء من خلال الإبلاغ عن المخالفات لجهاز حماية المستهلك أو عبر الامتناع عن الشراء من التجار الذين يبالغون في رفع الأسعار دون مبرر. كما أن الالتزام بالحصول على الفاتورة ومقارنة الأسعار بين أكثر من منفذ تجاري يساهم بدوره في تعزيز الانضباط داخل السوق.
ذلك ما أكده أيضًا الدكتور رمزي الجرم الخبير المالي والمصرفي لافتًا إلى أن الدولة بأجهزتها المختلفة ذات الصلة، ومن أهمها جهاز حماية المستهلك ووزارة التموين والغرف التجارية في المحافظات والمحافظين ومجالس المُدن، تستطيع أن تراقب أي مخالفات ملموسة في أسعار السلع والخدمات، ومواجهتها بشكل حاسم من اجل حماية المواطنين وبشكل خاص الطبقات الأكثر احتياجًا، مع تقرير حزمة من العقوبات الإدارية والتي تصل الى غلق مقار المحلات، متى ثُبت في حق أصحابها التلاعب في الأسعار، وهذا لا يتعارض من قريب او بعيد مع سياسة الاقتصاد الحر، فحتى النظريات الاقتصادية التي كانت لا تُحبذ تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وأن يتم تَرك الأمور كافة لقوى العرض والطلب، تراجعت عن تلك الفكرة، وأكدت على ضرورة تدخل الدولة لتحقيق التوازن والانضباط وعدم اكتفاء الدولة بقيامها بوظائفها التقليدية من الحفاظ على الأمن العام والصحة العامة وغيرها من الوظائف.
وأوضح الجرم أنه على الرغم من انتهاج كافة الاقتصادات العالمية على اختلاف أيديولوجيتها الاقتصادية والسياسية، سياسة السوق الحر، وعدم التدخل الإداري من قبل جهة الادارة لتحديد أسعار السلع والخدمات، وتَرك تحديد الأسعار لقوى العرض والطلب، حتى تصل لسعر التوازن، إلا أن لدى الدولة الأدوات الكاملة التي تسمح لها بالتدخل الإداري لضبط الأسعار خصوصًا اسعار السلع الأساسية، ومواجهة أي شكل من أشكال الممارسات الإحتكارية ومنع المنافسة أو أي شكل من أشكال احتكار القلة، وهذا التوجه لا يحدث فقط في طائفة الاقتصادات التي تَخلت حديثًا عن سياسة التخطيط التأشيري والذي كان يؤمن بفكرة ملكية الدولة لكافة عناصر الانتاج؛ بل يَحدُث في الاقتصادات ذات الراسمالية العاتية مثل الاقتصاد الأمريكي والدول الصناعية الكبرى .
وتابع: إن الانعكاسات السلبية التي أفرزتها التوترات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة في مناطق متفرقة من العالم، وآخرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، من المؤكد أن تكون أداة خصبة للكثير من التجار ومقدمي السلع والخدمات في السعي نحو اقتناص مكاسب غير مستحقة، من خلال انتهاج العديد من الأساليب التي تُحقق لهم الحصول على أسعار أعلى بشكل لا يتناسب مع معدل الزيادة في أسعار المنتجات البترولية.
ضرورة مد الأسواق بالسلع الأساسية
وطالب الجرم بضرورة قيام الدولة بمد الأسواق بالسلع الأساسية من خلال منافذ الدولة المختلفة، أو من خلال منافذ القوات المسلحة المنتشرة في كافة انحاء الجمهورية، خصوصًا بعد تصريح رئيس مجلس الوزراء بتوافر مخزون استراتيجي ضخم من السلع الغذائية الضرورية، إذ إن هذه الوسيلة، تُعد هي الوسيلة الأكثر أهمية في منع أي شكل من أشكال الممارسات الاحتكارية بين طبقة التجار، نظرًا لأنها أكثر الوسائل نجاحًا بالمقارنة بالوسائل الإدارية السابق ذكرها، مع أهمية الأخيرة أيضًا في منع أي استغلال من جانب التجار ومقدمي السلع والخدمات للمواطنين.
من جانبه أكد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء وعي الدولة الكامل بطبيعة الإجراءات الاستثنائية التي تم إقرارها، ومدى تأثيرها على معدلات التضخم والأسعار، وانعكاساتها على المواطنين؛ مشدداً على حرص الحكومة على اتخاذ حزمة من تدابير الحماية الاجتماعية لمختلف الفئات، ولاسيما الأقل دخلاً والأكثر تأثراً بتلك القرارات.
و خلال مؤتمر صحفي عقد بمقر الحكومة بالعاصمة الجديدة، أكد مدبولي أن تداعيات هذه الحرب أدت إلى اضطراب شديد جدًا في سلاسل الإمداد، خاصة في قطاع الطاقة وكل ما يرتبط بها من إمدادات وسلاسل تجارية، مما انعكس بتأثيراته على العديد من السلع والخدمات.
ونوه رئيس الوزراء إلى أن الدولة المصرية اتخذت حزمة من الإجراءات السريعة والعاجلة لترشيد الإنفاق العام في عدد من بنود المصروفات، حيث صدرت قرارات فعلية في هذا الإطار شملت مختلف جهات الدولة، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، مع منح الأولوية القصوى لبنود أخرى تخدم الأهداف الاستراتيجية وتدعم المواطن في ظل هذه الظروف.
وتشير بيانات الموقع الرسمي للبنك الدولي أن نسبة الفقر الوطنية في مصر بلغت 33.5%..