آراب فاينانس: تبرز مصر كأحد أقوى اللاعبين بمنطقة الشرق الأوسط في مجال خدمات التعهيد، بفضل موقعها الجغرافي المميز حيث لم يعد فيعد الرهان على انخفاض التكلفة فحسب، بل على القيمة المضافة والابتكار، إذ باتت مصر تنافس دول مميزة في هذا المجال مثل الهند، وفقًا لخبراء تحدثوا لـ آراب فاينانس.
لقد شهد عام 2026 تحولاً جذريًا في طبيعة الخدمات المقدمة من داخل الأراضي المصرية، حيث انتقلت الوجهة من خدمات الدعم الفني التقليدية إلى مجالات معقدة مثل الأمن السيبراني، والبرمجيات المدمجة للسيارات، وتحليل البيانات الضخمة.
وأعلنت مجموعة الشايع مؤخرًا عن الافتتاح الرسمي لأول مركز عالمي لاستقطاب المواهب والكفاءات في مصر بهدف تقديم الخدمات للأسواق الإقليمية والخارجية، وذلك تحت رعاية المهندس أحمد الظاهر، الرئيس التنفيذي لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات "إيتيدا" ITIDA، وبحضور جون هادن، الرئيس التنفيذي لمجموعة الشايع حيث تخطط المجموعة لتوسيع عمل المركز في مصر خلال العامين القادمين.
وحسب المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تستهدف مصر زيادة الصادرات الرقمية لخدمات التعهيد إلى 12 مليار دولار بحلول عام 2029، وذلك ارتفاعًا من 5.14 مليار دولار في 2025، بعد أن سجلت 2 مليار دولار عام 2021.
لماذا تلجأ الشركات لخدمات التعهيد؟
من جانبها توضح الدكتورة سمية الشربيني، رئيسة شركة أُوبس للذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس، أن شركات التعهيد والتي تعرف بالـ (Outsourcing)، هي عبارة عن شركات تقدم خدمات بالنيابة عن شركات أخرى، حيث تقدم تلك الخدمات بصورة وجودة مميزة، وبسعر وتكلفة معقولة، وتلجأ الشركات العالمية لشركات التعهيد نظرًا لارتفاع التكلفة في حالة قيامها بتقديم هذه الخدمة بنفسها لعملائها، لذلك تلجأ لهذا النوع من الشركات المتخصصة في هذا المجال، وعلى سبيل المثال فشركة ماكدونالدز الأمريكية، عندما أرادت تدشين مركز لخدمة العملاء في مصر، لجأت لشركة تعهيد للقيام بهذا الدور، لأنها رأت أن ذلك سيكون منخفض التكلفة بالنسبة لها في حال قامت هي بذات الخدمة خاصة أن شركات التعهيد تمتلك تجهيزات تقنية وتكنولوجية عالية وعمالة مدربة وماهرة، وتقدم هذه الخدمات بسعر مناسب.
وأكدت الشربيني، أن هناك خدمات أخرى تقدمها شركات التعهيد بخلاف خدمات خدمة العملاء وقياس مدى رضائهم، مثل الدعم الفني لخدمات تكنولوجيا المعلومات، ومجالات الصيانة والحوسبة، والأمن السيبراني، بالإضافة لقيام بعض الشركات بالخدمات المتعلقة بالمحاسبة، نيابة عن الشركات إلى جانب خدمة إدارة الموارد البشرية والتعيينات والعقود الإدارية.
مصر مركز إقليمي مميز لخدمات التعهيد
وبينما يرى بعض الخبراء أن عنصر التكلفة عنصر رئيسي في معادلة مراكز التعهيد في مصر يعتبر المهندس سيف بدوي، رئيس مجلس ادارة شركة سواتكس للتكنولوجيا ونائب رئيس مجلس الادارة غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات باتحاد الصناعات المصرية، أن الميزة التنافسية الحقيقية لمصر في عام 2026 لا تقوم فقط على عنصر التكلفة كما كان يُنظر تقليديًا لأسواق التعهيد، بل أصبحت ترتكز على مزيج نادر من رأس المال البشري، والجاهزية التشغيلية، والموقع الاستراتيجي، مدعومًا برؤية دولة واضحة تعتبر قطاع التكنولوجيا والخدمات العابرة للحدود أحد محركات النمو الرئيسية للاقتصاد الوطني.
وتابع بدوي: إن مصر تمتلك واحدة من أكبر القواعد السكانية الشابة في المنطقة، مع تدفق مستمر من الخريجين سنويًا في مجالات الهندسة، وتكنولوجيا المعلومات، والأعمال، واللغات، وهو ما يوفر سوقًا واسعًا وقابلًا للتوسع من الكفاءات المؤهلة. كما أن الكوادر المصرية أثبتت على مدار السنوات قدرتها على العمل وفق المعايير الدولية وتقديم خدمات عالية الجودة لعدد كبير من الشركات العالمية والإقليمية.
وحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الصادر يناير الماضي فقد بلغ عدد خريجى التعليم العالي في مصر 743.1 ألف عام 2024، في حين بلغ إجمالي عدد الحاصلين على درجات علمية (دبــــلوم - ماجستير - دكتوراه ) 122.9 الف من الجـــامعات المصرية عام 2024.
كما تتميز مصر حسب بدوي بتنوع لُغوي مهم، ليس فقط في اللغة الإنجليزية، بل أيضاً في اللغات الأوروبية والعربية، ما يمنحها أفضلية في خدمة أسواق متعددة من مركز واحد، وإلى جانب ذلك، فإن الموقع الجغرافي الفريد والتقارب الزمني مع أوروبا، والارتباط الطبيعي بأسواق الخليج وإفريقيا، يجعلها منصة تشغيل مثالية للشركات العالمية.
ووفقًا لـ أحدث بيانات للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تتركز أعلى نسبة مساهمة في النشاط الاقتصادي في الفئة العمرية 40-49 سنة، بنسبة 59.9%.، بينما تُشكل الفئة الشابة (18-29 سنة) حوالي 21.3 مليون نسمة بنسبة 19.9% من السكان.
والأهم أن هذا التوجه كما يرى بدوي لم يعد مجرد فرصة سوقية، بل أصبح جزءً من الرؤية الاستراتيجية للدولة المصرية التي تسعى لتعظيم الاستفادة من الموارد الحقيقية التي تمتلكها البلاد، وفي مقدمتها العنصر البشري. لذلك نشهد توسعًا في برامج دعم الصادرات الرقمية، وتحفيز الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتقديم حوافز لجذب مراكز الخدمات العالمية.
ولهذا لم تعد مصر ينظر إليها فقط كسوق موارد بشرية، بل كوجهة مرشحة لتكون مركزًا إقليميًا متكاملًا للخدمات الرقمية والتعهيد المتقدم، فضلًا عن أن عدد متزايد من الشركات متعددة الجنسيات ينظر إلى مصر اليوم ليس فقط كموقع تشغيل، بل كـ مركز استراتيجي لخدمة المنطقة وخارجها ، وباختصار، فالميزة الحقيقية لمصر هي أنها تجمع بين الموهبة، والحجم، والجودة، والمرونة، والدعم المؤسسي في وقت يبحث فيه العالم عن نماذج تشغيل أكثر كفاءة واستدامة، وفق بدوي.
دور قطاع الاتصالات في النهوض الاقتصادي للدولة
وحول دور قطاع الاتصالات في النهوض الاقتصادي للدولة أكد بدوي أن الأهم في أي رؤية حقيقية للنهوض الاقتصادي هو أن تقوم على تمكين الشركات المصرية، والاعتماد عليها كشريك أساسي في النمو، وليس الاكتفاء بجذب الشركات الدولية لفتح مراكز تشغيل داخل مصر، فوجود الاستثمارات الأجنبية مهم ومطلوب، لكنه لا يكفي وحده لبناء اقتصاد قوي ومستدام، فالدول لا تنهض فقط عندما تعمل الشركات العالمية داخلها، بل عندما تنمو شركاتها الوطنية، وتتوسع إقليميًا ودوليًا، وتخلق علامات تجارية قوية، وتصدر خدمات ومنتجات من داخل مصر إلى العالم. هنا تتولد القيمة الحقيقية، وتُبنى الخبرات المحلية، وتُخلق الوظائف القيادية، ويظل العائد داخل الاقتصاد الوطني.
وبلغت مساهمة أنشطة الاتصالات والمعلومات في الناتج المحلي الإجمالي لمصر 2.7% بتكلفة عوامل الإنتاج وبالأسعار الجارية وفقًا لبيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، وذلك طبقًا لإحصائيات العام المالي 2024/ 2025، وبلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي لقطاع الاتصالات (بالأسعار الثابتة) نسبة 13.8% في العام المالي 2024/ 2025، ليكون نشاط الاتصالات وحده في هذا العام هو الأعلى نموًا بعد نشاط المطاعم والفنادق.
وتابع بدوي: إن مصر تمتلك شركات واعدة وكفاءات قادرة، لكن المطلوب هو بيئة تدفع هذه الشركات للنمو مثل تسهيل الوصول للتمويل، وأولوية عادلة في العقود، إلى جانب دعم التصدير، وتمكينها من المنافسة، وربطها بالمشروعات الكبرى وسلاسل القيمة العالمية، فالاستثمار الأجنبي عنصر مهم، لكن يجب أن يكون مكملًا لا بديلًا عن بناء القطاع الخاص المصري، فبدون شركات مصرية قوية تقود النمو، سيكون التقدم محدودًا. أما عندما تكبر الشركات المحلية جنبًا إلى جنب مع جذب الاستثمار الدولي، هنا فقط يتحقق النهوض الحقيقي والمستدام.
ويساهم قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بـ أكثر من 6 مليارات دولار من الاستثمارات المباشرة فى مجالات البنية الاساسية للقطاع حسب الدكتور مصطفي مدبولي رئيس الوزراء في بيان رسمي لمجلس الوزراء.
وحافظ قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على مكانته كأعلى قطاعات الدولة نموًا خلال العام المالى 2024/2025 ليواصل بذلك تصدره لقائمة القطاعات الأعلى نموًا على مدار 8 أعوام بمعدلات نمو تتراوح بين 14% و16?. فيما بلغت نسبة مساهمة القطاع فى الناتج المحلى الإجمالى نحو 6%.، في حين ارتفعت قيمة الصادرات الرقمية إلى 7.4 مليار دولار صعودا من 6.9 مليار دولار فى عام 2024، بمعدل نمو بلغ 124% خلال 7 أعوام، وتأتى هذه الزيادة مدفوعة بالنمو المتواصل فى صادرات خدمات التعهيد، حيث تضاعفت قيمة صادرات التعهيد خلال الثلاث سنوات الأخيرة لتصل إلى 4.8 مليار دولار فى 2025 صعودا من 4.3 مليار دولار فى عام 2024 و2.4 مليار دولار فى عام 2022، وذلك وفق بيان رسمي لمجلس الوزراء المصري.
الدولة تتجه لبناء مراكز البيانات العملاقة
وفيما يتعلق بالمشروعات التكنولوجية التي توليها الدولة الاهتمام لدعم صناعة التعهيد يشير عزام إلى أن مصر تركز حاليًا على بناء مراكز البيانات العملاقة وهو ما سيتيح لها فرص أكبر في مجال التعهيد، خاصة مع التصعيد الحاصل في منطقة الخليج، منوهًا بأن مصر تواكب بشكل مستمر التقدم التكنولوجي في قطاع الاتصالات، وقد شهدنا مؤخرًا رخصة الجيل الخامس من الإنترنت، واستبدال الكابلات النحاس بالكابلات الفايبر، والاتصال عبر الأقمار الصناعية، والتطور في الكابلات البحرية، موضحًا أن أي استثمار في قطاع التكنولوجيا يعمل على جذب العديد من الاستثمارات، ويعطي مصر القدرة على النمو الاقتصادي.
ويشير عزام، إلى أن التعهيد في مصر ليس حديثًا بل بدأ بوضع استراتيجية للتعهيد منذ عام 2007، حيث شهدت مصر خلال هذه الفترة نجاحًا كبيرًا في تعزيز نمو قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات، حيث بدأت بصادرات قُدرت بنحو 150 مليون دولار في عام 2007، في عهد وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق الدكتور طارق كامل وقفزت إلى مستويات غير مسبوقة لاحقًا، مع توفير آلاف فرص العمل للشباب، إلى جانب بنية تحتية جيدة جدًا في هذا المجال، مثل مراكز الاتصالات الحديثة والمواكبة للتكنولوجيا الجديدة حيث استطاعت الدولة جذب العديد من الاستثمارات والشركات العالمية، وتقديم حوافز لها فضلًا عن تهيئة البيئة الاستثمارية والتشريعية والضريبية في مصر خلال الفترة الأخيرة لتكون مصر بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية موضحًا أن هناك 52 شركة عالمية تقابلوا مع الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية والدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، مؤخرًا لافتتاح مراكز للتعهيد في مصر.
ويوضح تقرير رسمي لـ مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، أن مصر تعد من بين المراكز العالمية في مجال تكنولوجيا المعلومات والخدمات المرتبطة بها، بالإضافة إلى الخدمات القائمة على الابتكار التقني، إذ تحتضن عددًا من الشركات متعددة الجنسيات الرائدة عالميًا في تقديم خدمات تعهيد نظم الأعمال (BPO) وتعهيد تكنولوجيا المعلومات (ITO)، مما يعزز مكانتها كوجهة متميزة في هذا القطاع على مستوى العالم، حيث تستضيف مصر شركات كبرى مدرجة ضمن قائمة فورتشين 500 لعام 2025، التي تضم أكبر 500 شركة أمريكية عامة وخاصة مصنفة حسب الإيرادات السنوية، كما تضم مصر أكثر من 150 مركزًا يقدم الخدمات العابرة للحدود تخدم أكثر من 100 دولة في أمريكا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا لتلبية الطلب العالمي على خدمات تكنولوجيا المعلومات وعمليات وخدمات الأعمال وخدمات المعرفة وخدمات الهندسة والبحث والتطوير.
قطاع التكنولوجيا أحد محركات النمو الرئيسية للاقتصاد الوطني
وألمح عزام أن أحد أبرز التحديات التي تواجه ليس مصر فقط، بل العديد من الدول هو الحفاظ على العقول المدربة من الهجرة للخارج، حيث ينبغي وضع بيئة مشجعة ومواتية لهم، مشيدًا بالمسابقة التي أعلنتها الحكومة لتطوير تكنولوجيا لمكافحة الدرونز (الطائرات بدون طيار) بما يواكب التحديات التكنولوجية المتسارعة، ويسهم في دعم منظومة الأمن القومي.
وحسب بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات شهدت صناعة التعهيد نموًا ملحوظًا في فرص العمل، حيث ارتفع عددها من 90 ألف فرصة عام 2021 إلى 181 ألف فرصة خلال عام 2025، ومن المستهدف زيادتها إلى نحو 630 ألف فرصة عمل بحلول عام 2029.
وترى الشربيني، أن دولة الهند تعد من أبرز المنافسين لمصر في هذا المجال وإن كانت مصر تفوقت عليهم في تقديم هذه الخدمات بسعر منافس خاصة في مجال خدمة العملاء، لكن الهند تتفوق حاليًا في التكنولوجيا المتقدمة مثل الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وإن كانت الجامعات المصرية بدأت تواكب هذه العلوم مؤخرًا.
ووفق الموقع الرسمي لـ هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات إيتيدا، وضعت مصر استراتيجية مصر الرقمية للخدمات العابرة للحدود 2022 /2026، حيث تستند الاستراتيجية على تحقيق ثلاثة أضعاف من عائدات التصدير للدولة من الخدمات الرقمية العابرة للحدود بمعدل 19? من النمو السنوي المُركب (2022-2026)، مع توفير وإضافة فرص عمل مُستدامة في صناعة الخدمات العابرة للحدود والتركيز على الخدمات عالية القيمة التي تضيف 215000 وظيفة على مدى السنوات الخمس المقبلة.