آراب فاينانس: رغم أن مصر ليست طرفًا في الحرب الجارية حاليًا، والتي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران إلا أن آثار الحرب ستمتد لها وفق عدد من الخبراء تحدثوا مع آراب فاينانس خاصة الآثار الاقتصادية مع احتمالات تأثر قطاعات استراتيجية مثل الطاقة وإيرادات قناة السويس إلى جانب إمكانية تأثر السياحة، والاستثمارات الموجهة للبلاد نتيجة تأثر السلوك الاستثماري.
يأتي هذا بعدما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران أمس بضربات استهدفت قيادتها، ما أدخل الشرق الأوسط في صراع جديد.
ارتفاع متوقع لأسعار الطاقة
من جانبها قالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة المصرفية والاقتصادية، في تصريحات لـ آراب فاينانس إن أهم التأثيرات على الاقتصاد المصري نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هي تأثر شرايين إمدادات الطاقة مع إغلاق مضيق هرمز، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، والسلع الاستراتيجية خاصة في ظل تزامن هذه التغيرات مع إعلان إسرائيل قطع الغاز عن مصر.
وأضافت الشافعي أن مصر تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة والسلع الأساسية الاستراتيجية مثل القمح مما سيؤدي لارتفاع في الأسعار سينعكس على الفور على تكلفة الاستيراد وزيادة الفاتورة الاسترادية لمصر، وبالطبع سيؤدي ذلك لرفع مستويات التضخم داخل الدولة المصرية بما يعني ارتفاع أسعار الوقود والغذاء داخل مصر وسينتج عنه انخفاض القوى الشرائية للأفراد المستهلكين في مصر.
الحرب ستعطل سلاسل التوريد
أكدت الخبيرة المصرفية والاقتصادية أن الحرب ستعمل على تعطل سلاسل التوريد والتجارة الدولية لأن من المعلوم خلال الحروب، يتعطل الشحن البحري على خطوط التجارة العالمية، بما يعني تأثر حركة الملاحة في قناة السويس، وبالتالي انخفاض الإيرادات المتراجعة أصلًا من قناة السويس خلال الفترة الأخيرة.
ووفق بيانات البنك المركزي المصري تراجعت إيرادات قناة السويس خلال العام المالي 2024/2025 إلى 3.62 مليار دولار، مسجلة أدنى مستوى لها منذ 20 عاماً، بانخفاض نسبته 45.5% مقارنة بالعام المالي السابق.
وبحسب بيانات البنك المركزي المصري، كانت إيرادات القناة قد بلغت 8.76 مليار دولار في العام المالي 2022/2023، قبل أن تبدأ بالانخفاض لتصل إلى أدنى مستوياتها المسجلة منذ عام 2006.
ومع بدء الحرب قررت شركة ميرسك الدنماركية العملاقة للشحن البحري، تغيير مسار بعض سفنها مؤقتًا بعيدًا عن قناة السويس، بسبب ما سمته معوقات غير متوقعة في منطقة البحر الأحمر، ويأتي ذلك بعد أقل من شهر من عودة سفن الشركة لقناة السويس بعد غياب دام عامين.
ارتفاع تكاليف وثائق التأمين على الناقلات البحرية
ويرى الدكتور محمد محسن أبو النور الخبير في الشئون الإيرانية، ورئيس ومؤسس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية ـ أفايب أن بعض تأثيرات الحرب على مصر بدأت في الظهور بالفعل، ومنها وقف إمدادات الغاز الإسرائيلي لمصر، لأجل غير مسمى. كذلك هناك تأثيرات محتملة وشبه حتمية وهي أنه في حالة اشتراك جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن في تلك الحرب، سيؤدي ذلك لتعطيل حركة الملاحة بالبحر الأحمر وسيكبد ذلك مصر خسائر كبيرة مما سيزيد من ارتفاع تكلفة وثائق التأمين على الناقلات البحرية التي تمر عبر المياه البحرية اليمنية.
وأضاف أبو النور أن أحد أبرز الآثار الاقتصادية الأخرى هي أن مصر تعد من الدول المستوردة للطاقة، وبعد إعلان الجمهورية الإيرانية إغلاق مضيق هرمز، وتحذير الحرس الثوري الإيراني من مرور السفن من هناك، سيؤدي ذلك لرفع أسعار الطاقة خاصة أن تسعير برميل النفط في الموازنة العامة للدولة في مصر تم تسعيره وفق أسعار ما قبل الحرب حيث ارتفع سعر برميل النفط لنحو 5 دولارات بعد الساعة الأولى من الحرب واقترب من 80 دولارًا متوقعًا زيادته مرة أخرى مع بدء فتح البورصات الأمريكية والأوروبية غدًا الاثنين.
ووفق موازنة العام المالي المقبل 2025-2026، فإنه تم تحديد سعر برميل النفط في الموازنة العامة للدولة عند 75 دولارًا، مقابل 82 دولارًا في الموازنة السابقة.
ومضيق هرمز هو ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عمان، وهو أحد أكثر ممرات النفط ازدحاما في العالم.
وتوقع أبو النور طول أمد الحرب بين الأطراف الثلاثة أمريكا وإسرائيل في مواجهة إيران خاصة مع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، مما زاد الأمور تعقيدًا، فضلًا عن قيام أمريكا بضرب إيران خلال مرحلة المفاوضات التي كانت جارية، بالاشتراك مع إسرائيل للمرة الأولى في التاريخ.
وأشار أبو النور إلى أنه من المتوقع استخدام طريق رأس الرجاء الصالح كبديل لقناة السويس في حالة تعرض ممرات الملاحة لخطر كبير من جانب الحوثيين بجنوب البحر الأحمر. كما تم عقب أحداث السابع من أكتوبر في غزة، وذلك رغم ارتفاع التكلفة في طريق رأس الرجاء الصالح، بثلاثة أضعاف طريق قناة السويس، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين ضد المخاطر.
العجز في الميزان التجاري يمثل ضغوط على العملة الصعبة
وتتفق الدكتورة يمن الحماقي رئيس قسم الاقتصاد الأسبق بجامعة عين شمس، مع أبو النور في أن ارتفاع أسعار البترول سيكون له تأثيرات سلبية كبيرة على مصر، لأن هناك عجز كبير في الميزان التجاري للبترول حيث إن استيرادنا أكبر من قدرتنا على التصدير، مما يمثل ضغط على العملة الأجنبية في مصر، وبالتالي يؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد المصري، إلى جانب هروب الأموال الساخنة من مصر، وهي مؤثرة بالطبع على سعر الصرف.
وتوقعت الحماقي تأثر السياحة لكن بشكل غير كبير، كما ستتأثر سلاسل الإمداد نتيجة تعطل الملاحة حيث تعد مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح، ورغم وجود مخزون من السلع الاستراتيجية لكن سيمثل ذلك أيضًا ضغط على الفاتورة الاستيرادية نتيجة الارتفاع المتوقع لسعر القمح، كما ستعمل شركات التأمين على رفع رسوم التأمين على الناقلات والسفن، مما سيرفع الأسعار بشكل عام.
ارتفاع متوقع للتضخم
وتؤكد الشافعي أن اضطراب الملاحة نتيجة التوتر في مضيق هرمز يعني تأخر الواردات والصادرات لمصر مما سيؤثر على الصناعات المصرية لافتة إلى تأثر الاقتصاد كذلك بالتضخم المتوقع ارتفاعه، مع ارتفاع الأسعار وهو ما سيلزم البنك المركزي بالإبقاء على أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم وارتفاع الأسعار مع التراجع عن التوجه نحو تخفيض سعر الفائدة.
وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية بلغ (10.1%) لشهر يناير 2026، مقابل (10.3%) لشهر ديسمبر 2025.
وأوضحت الشافعي أن ارتفاع سعر الدولار المتوقع مقابل الجنيه المصري سيعمل على رفع تكلفة خدمة الدين الخارجي.
وطالبت الحماقي بضرورة الاهتمام بالصادرات المصرية خاصة أن خطط التصدير غير مرضية فضلًا عن تأثر الصادرات المصرية بضريبة الكربون الأوروبية على بعض الصناعات كثيفة استخدام الطاقة مثل الأسمدة، مشددة على ضرورة توطين بعض الصناعات في مصر خلال الفترة المقبلة، مع بناء القدرات الاقتصادية والإنتاجية لمصر، ورفع تنافسية الإنتاج، لأن مصر لديها فرص ضخمة في هذا المجال، مع ضرورة استغلال الطاقات غير المستغلة والعاطلة، وتعظيم استخدامها.
وأشارت الحماقي إلى أن تحويلات المصريين في الخارج حققت طفرة خلال الفترة الأخيرة، حيث تجاوزت 39 مليار دولار خلال العام الماضي، وهو شئ إيجابي سيمتص الصدمات التي قد تتعرض لها العملة الصعبة، والضغوط عليها.
وتوقعت الخبيرة المصرفية دكتورة سهر الدماطي ارتفاع معدلات التضخم في مصر، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الغذائية المتأثرة باضطراب سلاسل الإمداد، كما ستتأثر أيضًا الاستثمارات سواء المباشرة أو غير المباشرة الموجهة لمصر.
وأضافت الدماطي أن مؤشر مخاطر سداد الديون متوقع ارتفاعه أيضًا خلال الفترة المقبلة، فضلًا عن هروب بعض الأموال الساخنة، متوقعة عدم تضرر مصر من خروج هذه الأموال.
وتخطط مصر إلى خفض الدين العام للدولة إلى 70% بنهاية العام المالي يونيو 2030، وفق ما صرح به أحمد كجوك وزير المالية في وقت سابق.
جهود حكومية مكثفة في ظل الوضع الراهن
ووفق بيان لمجلس الوزراء فإنه وفي ضوء التطورات الإقليمية الراهنة، واصل رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، متابعة الوضع عن كثب مع الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، للاطمئنان على موقف المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية.
وأكدت وزارة التموين والتجارة الداخلية على توافر مخزون آمن وكافٍ من السلع الأساسية لجميع المواطنين، مع أرصدة تكفي لعدة شهور قادمة، كما تواصل الوزارة جهودها المستمرة لضخ السلع في الأسواق بشكل منتظم، بالتنسيق مع كافة الجهات المعنية، لضمان استقرار الأسعار ومنع أي زيادات غير مبررة، مع اتخاذ كافة الإجراءات لضمان عدم وجود أي ممارسات احتكارية.
وفي ضوء التصعيد العسكري، وما نتج عنها من ظروف طارئة تمر بها المنطقة، وانعكاساتها على دول الإقليم، اجتمع الدكتور محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، بأعضاء اللجنة الدائمة لإدارة الأزمات والكوارث والحد من المخاطر، والتي تضم في عضويتها الشركات والهيئات والمراكز التابعة، وذلك في إطار الاستعداد الدائم لمواجهة كافة الاحتمالات والمتغيرات والنتائج التي قد تترتب على الأوضاع بالمنطقة واستمرار العمل لضمان أمن واستقرار واستمرارية التغذية الكهربائية.
وتابع الدكتور محمود عصمت، خطة العمل للارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة وتحسين جودة التغذية الكهربائية، وضمان أمن واستدامة التيار الكهربائي، وتمت مراجعة الاحتياطيات التشغيلية من الوقود المكافئ في جميع المحطات، وأنماط التشغيل المستخدمة لتعظيم العائد على وحدة الوقود وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وموقف الطاقات المتجددة ومساهمتها في مزيج الطاقة على مدار اليوم، وكذلك أنظمة تخزين الطاقة المتاحة على الشبكة وغيرها من الاجراءات في إطار خطة التشغيل الحالية.
ووجه الدكتور محمود عصمت برفع درجة الاستعداد، ومتابعة استقرار التغذية الكهربائية، وتوفير الكهرباء لكافة الاستخدامات، والتنسيق الدائم والمستمر مع مراكز التحكم في الشركات والتحكمات الإقليمية بالشركة المصرية لنقل الكهرباء، مؤكدا على تواجد جميع القيادات على رأس العمل على مدار اليوم، والمتابعة اللحظية لكافة المستجدات لتأمين الشبكة الموحدة واستقرار التغذية الكهربائية، مشيرا إلى التنسيق والتعاون وفرق العمل المشتركة مع وزارة البترول والثروة المعدنية، مؤكدا أن شبكتنا القومية للكهرباء قوية وقادرة إنتاجا ونقلا وتوزيعا، والكهرباء متاحة لكافة الاستخدامات في إطار خطة الدولة للتنمية المستدامة.
من جانبها أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية أنها نفذت خلال الفترة الماضية حزمة من الخطوات الاستباقية لتأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلي من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، وذلك في إطار العمل التكاملي داخل مجلس الوزراء بالتنسيق مع الوزارات ومؤسسات الدولة المعنية، بما يضمن تلبية الاحتياجات وتعزيز الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات، خاصة في ظل التطورات الجيوسياسية والإقليمية المتسارعة، انطلاقًا من أن أمن الطاقة يمثل أحد الركائز الأساسية للأمن القومي.
وأوضحت الوزارة في بيان رسمي لها أنها تتابع عن كثب المستجدات الحالية نتيجة الضربات العسكرية الأخيرة وما نتج عنها من تداعيات وتوقف إمدادات الغاز من شرق المتوسط عبر الخطوط ، وطمأنت الوزارة المواطنين بوجود تنوع في مصادر الإمداد من الغاز و قدرات بديلة جاهزة حيث أنها عملت من خلال الإجراءات الاستباقية علي مدار عام 2025* على تأمين قدرات وكميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال لفترات ممتدة لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء والصناعة والمواطنين، من خلال تنويع مصادر الإمداد إلى جانب الإنتاج المحلي، والتعاقد على شحنات من الغاز الطبيعي المسال من مصادر متنوعة، وإبرام اتفاقيات طويلة الأجل واتفاقات توريد مع شركات عالمية، فضلًا عن تأسيس وتجهيز بنية تحتية متكاملة لاستقبال الواردات من الغاز المسال، واستقدام وتشغيل سفن التغييز ، بما يمثل دعامة رئيسية للأمن القومي في مجال الطاقة. ويأتي ذلك بالتوازي مع مواصلة دعم زيادة الإنتاج المحلي من خلال انتظام سداد مستحقات الشركاء، بما يعزز أنشطة الاستكشاف والإنتاج.