آراب فاينانس: يبدو مشهد السوق العقاري اليوم في مصر أكثر توازنًا خاصة مع الاستقرار السعري، وتراجع القفزات الناتجة عن ارتفاع تكلفة فوائد الديون البنكية التي لجأت لها بعض الشركات والمطوريين العقاريين خلال الفترة الماضية، لكن ماذا عن التوقعات المستقبلية؟.
خبراء عقاريون تحدثوا لـ آراب فاينانس أكدوا أن الفترة المقبلة ستشهد عرض كبير لوحدات جاهزة التشطيب مما سيؤثر على سعر الوحدات العقارية مستقبلًا، والطلب عليها من جانب المشترين، في الوقت ذاته من المتوقع أن تشهد السوق تراجع في تكاليف الوحدات العقارية مع التوجه الحالي في مصر لخفض سعر الفائدة بالبنوك.
السوق العقاري ينتقل من الطفرة للنضوج
من جانبه أكد الدكتور محمد راشد، عضو المجلس التنفيذي المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس أن السوق العقارية المصرية تدخل خلال عام 2026 مرحلة مفصلية تتسم بإعادة التوازن، بعد سنوات من النمو السعري المتسارع، مشيرًا إلى أن المؤشرات الحالية تعكس انتقال السوق من منطق الطفرة إلى منطق النضج، وليس إلى حالة ركود أو انكماش.
وأوضح راشد، أن قراءة المشهد العقاري تتطلب الفصل بين التباطؤ النسبي في معدلات الزيادة السعرية، وبين تراجع الطلب، مؤكدًا أن السوق المصرية لا تزال مدعوممة بطلب حقيقي ناتج عن الزيادة السكانية التي تتجاوز مليوني نسمة سنويًا، إلى جانب فجوة إسكانية تاريخية، ما يمنع حدوث سيناريوهات الانهيار الحاد التي شهدتها أسواق أخرى عالميًا.
وأضاف راشد أن التباطؤ السعري في السوق العقارية لا يمكن تصنيفه كركود تضخمي، موضحًا أن الركود يرتبط بتراجع الطلب، وتجمّد حركة البيع، في حين أن السوق المصرية لا تزال تشهد تداولًا نشطًا، وإن كان أكثر انتقائية، مع انتقال المستهلكين من الشراء بدافع التحوط إلى الشراء بدافع الاستخدام الفعلي والقيمة طويلة الأجل.
بينما ترى الدكتورة عبير عصام الدين، الخبيرة العقارية، وعضو مجلس إدارة شعبة الاستثمار العقاري باتحاد الغرف التجارية بالقاهرة، أن السوق العقارية في مصر تشهد حالة من الاستقرار، ومن غير المتوقع حدوث زيادات سعرية خلال عام 2026، خاصة مع استقرار أسعار مواد البناء، فضلًا عن الهدوء الذي يسود المنطقة، بعد اتفاق السلام الذي تم توقيعه في شرم الشيخ لإنهاء الحرب في غزة وانتهاء الاضطرابات في المنطقة المحيطة بنا.
المستهلك أصبح أكثر تقبلًا للوحدات الأصغر في المساحة
وأكدت عصام الدين على أن المساحات العقارية للوحدات الأكثر طلبًا حاليًا بالسوق العقارية تصل مساحتها بين 90 و100 متر.
ويتفق المهندس فتح الله فوزي، الخبير العقاري، ومؤسس شركة مينا للتطوير العقاري مع رؤية عصام الدين تلك حيث يشير إلى أن هناك توجه جديد لدى المطوريين العقاريين ليس في مصر فقط بل في المنطقة كلها حولنا مع ارتفاع تكاليف البناء حيث بدأت تتقلص المساحات للوحدات السكنية، لافتًا إلى أن هذه المساحات تقلصت من 200 متر للوحدة السكنية إلى 70 و90 و100 متر، وهذا نتيجة لزيادة التكاليف وعدم القدرة على الشراء بمساحات كبيرة.
وأوضح راشد أن التوجه العالمي نحو الوحدات الأصغر والمساحات الذكية بدأ يفرض نفسه تدريجيًا في السوق المصري، خاصة في الشريحة المتوسطة، مدفوعًا بارتفاع الأسعار وتغير أنماط المعيشة.
وأشار راشد إلى أن المستهلك المصري أصبح أكثر تقبلًا لهذا النمط بشرط كفاءة التصميم وجودة الخدمات والسعر الإجمالي المناسب، مؤكدًا أن هذا الاتجاه سيكون مكملًا للسوق التقليدي وليس بديلًا كاملًا عنه خلال عام 2026.
وفيما يتعلق بالساحل الشمالي، أكد راشد أن الصفقات الاستثمارية الكبرى، وعلى رأسها مشروعات رأس الحكمة، أحدثت نقلة نوعية في حجم الاستثمارات والبنية التحتية، لكنها لن تُلغي موسمية السوق على المدى القصير.
وأضاف راشد أن عام 2026 سيشهد بداية تحول تدريجي نحو نمط السكن الممتد على مدار العام في بعض المناطق المخططة بعناية، في حين سيظل الجزء الأكبر من السوق مرتبطًا بنمط "البيت الثاني"، إلى أن تكتمل منظومة الخدمات الحضرية من تعليم وصحة ونقل وتشغيل.
ويرى المهندس شريف طه الرئيس التنفيذي لشركة إيونس للتطوير العقاري EONS أنه منذ إنشاء مدينة العلمين ووجود بعض الفنادق الكبرى هناك وقرى مثل قرية مراسي بالساحل الشمالي، حدث زخم وطلب على الوحدات العقارية ونشاط سياحي كبير بتلك المنطقة.
بينما يشير فوزي إلى أن منطقة الساحل الشمالي من المناطق الواعدة في الاستثمار العقاري حيث مخطط أن يستوعب الساحل الشمالي 30 مليون نسمة من الزيادة السكانية في مصر، وبالتالي فمدينة العلمين الجديدة وما أُنشئ بها من جامعات جديدة، وما هو مخطط لمنطقة رأس الحكمة وعلم الروم، سيجعل الساحل الشمالي منطقة دائمة السكن طوال العام وليس كمصيف بشكل موسمي فقط.
وبشأن العاصمة الإدارية الجديدة، قال راشد إن بدء التشغيل الكامل للأحياء الحكومية والإدارية والتجارية يمثل نقطة تحول حقيقية في هيكل الطلب، حيث تنتقل المدينة من مرحلة “الاستثمار المستقبلي” إلى مرحلة الاستخدام الفعلي.
وأوضح راشد أن عام 2026 سيشهد زيادة ملحوظة في الطلب على الوحدات السكنية المرتبطة بمقار العمل، والمساحات الإدارية الجاهزة للتشغيل، إلى جانب تنامي سوق الإيجار طويل الأجل، ما سيؤدي إلى إعادة تسعير أكثر واقعية للمشروعات داخل العاصمة وفقًا لمعدلات الإشغال وليس التوقعات فقط.
وأشار راشد إلى أن الدولة تستهدف زيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية بنحو 15% خلال 2026، إلا أن تحقيق هذا الهدف في القطاع العقاري يتطلب استكمال حزمة من الإصلاحات التنظيمية.
وحسب المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان، فإن مساهمة أنشطة القطاع العقاري في الاقتصاد القومي تزايدت بشكل تدريجي خلال السنوات الأخيرة بفضل المشروعات القومية التي نفذتها الدولة، مشيرا إلى أنها سجلت 20% من إجمالي الناتج المحلي.
ووفق الإصدار الثاني من السردية الوطنية الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي في ديسمبر 2025 "تستهدف رؤية وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية زيادة حجم الاستثمارات في جميع المناطق التنموية الواعدة بمعدلات نمو سنوية تتراوح بين 15 و25%، حيث تبلغ المستهدفات الخاصة بالفترة 2026 حتى 2030 قيمة عقارية للأراضي 532 مليار جنيه مع استثمارات متوقعة 3150 مليار جنيه، ومساحة تبلغ 115.3 مليون متر مربع".
ويؤكد فوزي أن السوق العقارية حاليًا نشطة في القطاع السكني، حيث هناك طلب على السكن سنويًا يصل لنحو 500 ألف وحدة سكينة، على عكس ما كان يشهده السوق خلال 2023 و2024 من رغبة من جانب عدد كبير من المستثمرين للاستثمار العقاري وهذه الرغبة في الاستحواذ على العقار لأغراض استثمارية ستقل مقابل ارتفاع الطلب على الوحدات السكنية.
وتوقع فوزي، أنه مع استقرار السوق العقارية، وانتهاء أزمات سعر الصرف، واستقرار سعر العملة الصعبة، سيكون هناك اختفاء للمضاربين في السوق العقارية، وسيبقى في السوق الراغبين في السكن والذين لديهم طلب على الوحدات السكنية، حيث يعد السكن سلعة استراتيجية مثلها مثل الطعام والشراب، وبالتالي فهناك طلب من جانب الأسر الجديدة على السكن.
وفيما يتعلق بقانون الإيجار الجديد وتأثيره على السوق العقارية استبعد فوزي أن يكون له تأثير على الطلب في السوق لأنه لايزال هناك ثقافة مجتمعية لدى الأسر المقبلة على الزواج والتي تشترط أن يكون الزوج لديه شقة تمليك وليس إيجار، وبالتالي لن يؤثر هذا القانون على القطاع العقاري في مصر.
بينما يرى راشد أن تحرير بعض الوحدات في الأحياء القديمة سيؤدي إلى زيادة نسبية في المعروض وإعادة تسعير واقعية لتلك المناطق، لكنه لن يمثل تهديدًا للمدن الجديدة.
وأوضح راشد أن المدن الجديدة ستظل جاذبة للطلب المتوسط والعالي بفضل جودة المرافق والبنية التحتية، مؤكدًا أن السوق تشهد إعادة توزيع للطلب بين المناطق، وليس انتقالًا قسريًا أو اختلالًا حادًا في التوازن.
في حين يشير طه إلى عدد من التحديات التي تواجه السوق العقارية، منها زيادة المعروض من الوحدات العقارية فضلًا عن زيادة عدد المطوريين العقاريين أيضًا، بخلاف المشاريع التي تقيمها الدولة لافتًا إلى أن السوق العقارية خلال الفترة المقبلة ستكون سوقًا مختلفة، بها المزيد من المنافسة، وسيكون ذلك في صالح المشترين وعملاء الشركات العقارية.
تسعير الوحدات العقارية سيتم بدقة أكبر الفترة المقبلة
وأكد طه، أنه مع التوجه الحالي من البنك المركزي المصري نحو خفض سعر الفائدة سيشهد تسعير الوحدات العقارية دقة أكبر من السابقة، من جانب المطورين العقاريين، لأنه خلال الفترة الماضية كان سعر الوحدات العقارية مُحمل بأسعار الفائدة بقيمة تصل لنصف سعر الوحدة العقارية، لكن مع الخفض المرتقب لسعر الفائدة سيكون التسعير المستقبلي أكثر رشدًا ومعقولية، وإن كان بعض الذين اقترضوا بفوائد مرتفعة ووقعوا عقود تسليم وفق هذه العقود سيكونوا في وضع حرج بشكل ما.
ووفق بيان رسمي لـ البنك المركزي المصري فقد قررت لجنة السياسة النقديـة للبنك في اجتماعهـا في 25 ديسمبر 2025 خفض سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 100 نقطة أساس إلى 20.00% و21.00% و20.50%، على الترتيب. كما قررت خفض سعر الائتمان والخصم بواقع 100 نقطة أساس ليصل إلى 20.50%. ويأتي هذا القرار انعكاسا لتقييم اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته منذ اجتماعها السابق.
وأوضح طه أن هناك العديد من الوحدات العقارية حاليًا بالسوق جاهزة للتسليم للعملاء، وهو ما سيؤدي إلى تغيير في حالة السوق ستكشف عنه الأيام المقبلة خاصة أنه مع شدة المنافسة وتوافر الوحدات العقارية جاهزة التسليم ستجعل هناك طلب على هذا النوع من الوحدات العقارية مع توافر تقسيطها على فترات طويلة بدلًا من الانتظار لنحو 4 سنوات لتسلم وحدات عقارية لم تُبنى بعد، وبالطبع سيؤثر ذلك على المبيعات الحالية التي اعتادت السوق عليها خلال الفترات الماضية، وسيؤدي ذلك لضرورة خفض الأسعار، أو مد فترات السداد لفترات أطول من جانب المطورين العقاريين.
ووفق بيان رسمي لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي فقد حقق نشاط التشييد والبناء، نموًا مُوجبًا خلال عام 24/2025 بلغ 4.1%.
وفيما يتعلّق بمواد البناء، شهِدت مبيعات الأسمنت ارتفاعًا بنسبة 10.7%خلال العام الـمالي 24/2025 لتصِل إلى 44.8 مليون طن مُقارنة بـ 40.5 مليون طن خلال العام الـمالي السابق، حيث ارتفعت أيضًا مبيعات الحديد بنسبة 1.6% إلى 6.9 مليون طن خلال عام 24/2025 مُقارنة 6.8 مليون طن خلال عام 23/2024.