آراب فاينانس: قال المهندس شريف طه الرئيس التنفيذي لشركة إيونس للتطوير العقاري Eons، إن سياسة البنك المركزي المصري الأخيرة في خفض أسعار الفائدة تُمثِّل تحوُّلًا مهمًا للقطاع العقاري، لافتًا إلى أن القطاع العقاري ما يزال يُمثِّل نحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يعكس ثقل وأهمية هذا القطاع كصمام أمان للاقتصاد الوطني.
وأكد طه خلال مقابلة حصرية مع آراب فاينانس أن صفقة رأس الحكمة كانت رسالة استثمارية واضحة بأن الساحل الشمالي الغربي أصبح منطقة من الدرجة الأولى عالميًا. كما أن العلمين الجديدة بدأت كذلك تستقطب مطوِّرين دوليين بفضل المخطط الحضري الكبير وقرب المطار والمنتجعات الفاخرة.
وأضاف أن الذهب الحقيقي القادم سيكون في المدن الذكية المتوسطة ضمن المثلث الذهبي المتمثل في السويس والإسماعيلية وبورسعيد بحكم مشروع توسعة قناة السويس والميناء الجاف، ومنطقة شرق العوينات للمشروعات الزراعية الكبرى، وإلى نص الحوار:
بعد عامين من التقلبات السعرية، كيف تصف ملامح السوق العقاري المصري في 2026؟ وهل وصلنا بالفعل إلى مرحلة الاستقرار السعري؟
السوق العقاري المصري في عام 2026 يدخل مرحلة جديدة قد توصف بـ التوازن الواعي أكثر من الاستقرار التقليدي، خاصة بعد أن شهد الجنيه استقرارًا نسبيًا، إلى جانب الارتفاع السابق في الأسعار في القطاع العقاري بمعدلات تراوحت بين 40% و80% خلال 2024-2025 لتعكس ارتفاع تكاليف الإنشاء.
فما نشهده اليوم ليس استقرارًا مطلقًا بقدر ما هو استقرار في معدلات النمو أي أن وتيرة الزيادة باتت أكثر عقلانية، فالقطاع العقاري ما يزال يُمثِّل نحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يعكس ثقل وأهمية هذا القطاع كصمام أمان للاقتصاد الوطني.
باعتباركم تتبنون فلسفة العمران المستدام، كيف ترى تحول طلب العميل المصري نحو الوحدات الذكية والأصغر مساحة؟ وهل أصبح هذا التوجه ضرورة اقتصادية أم رفاهية معمارية؟
الإجابة الصريحة هي أن الأمر هنا اقتصادي، ويتعلق بالتطور العمراني في آنٍ واحد، ولم يَعُد ترفًا، فهرم سكان مصر يضم اليوم أكثر من 107 مليون مواطن، ومتوسط حجم الأسرة في تراجع من 4.2 فرد قبل عقد إلى نحو 3.6 فرد، وهذا التحول الديموغرافي يجعل وحدات تتراوح من 90 إلى 150 مترً مربع- إذا صُمِّمَت بذكاء وكفاءة - أكثر جاذبية من شققٍ أكبر بنفس الميزانية.
ونحن في شركة إيونس EONS لدينا مشروع لايف وايس Lifewise، ونرى أن العميل اليوم يقايض المساحة بالخدمات، ونوعية الحياة مثل المساحات الخضراء، والجوار الذكي، وتطبيقات إدارة المجتمعات، والعيادات والخدمات الرياضية داخل المجتمع، وفي رأيي ستكون الوحدات الذكية الصغيرة والمتوسطة هي بطل المرحلة القادمة، لتُلبِّية احتياجات السوق العقاري الحقيقي.
شهدت منطقة الساحل الشمالي وشرق القاهرة طفرة هائلة، في رأيكم، ما هي المنطقة الذهبية القادمة التي ستجذب الاستثمارات الأجنبية في العامين المقبلين؟
اعتقد أن المناطق المرشحة لجذب الاستثمارات الأجنبية خلال المرحلة القادمة هى رأس الحكمة والعلمين الجديدة، يليهما غرب القاهرة السادس من أكتوبر والتوسعات الجديدة وحدائق أكتوبر كقطب صناعي سكني متكامل.
كما أرى أن صفقة رأس الحكمة كانت رسالة استثمارية واضحة بأن الساحل الشمالي الغربي أصبح منطقة من الدرجة الأولى عالميًا. كما أن العلمين الجديدة بدأت كذلك تستقطب مطوِّرين دوليين بفضل المخطط الحضري الكبير وقرب المطار والمنتجعات الفاخرة، لكن الذهب الحقيقي القادم - في رأيي - سيكون في المدن الذكية المتوسطة ضمن المثلث الذهبي المتمثل في السويس والإسماعيلية وبورسعيد بحكم مشروع توسعة قناة السويس والميناء الجاف، ومنطقة شرق العوينات للمشروعات الزراعية الكبرى، فالاستثمار الأجنبي يبحث في الحقيقة عن قصص نمو طويلة وليس عن تشبُّع.
يتحدث الخبراء حاليًا عن عملية تصحيح في أسعار العقارات.. كيف توازن شركات التطوير العقاري بين ارتفاع تكاليف التنفيذ وبين ضرورة تقديم أسعار تنافسية للحفاظ على القوة الشرائية؟
هذه هي معادلة المرحلة الأكثر تعقيدًا، وليست هناك إجابة واحدة، فتكلفة الحديد والأسمنت ارتفعت بنسب تتراوح بين 60% و110% منذ عام 2022، وأسعار الألومنيوم العالمية شهدت ارتفاع كبير للطن، وهو ما ينعكس على البِنى التحتية والتشطيبات، وبالتالي المطور المسؤول لا يستطيع أن يُضحِّي بالجودة لمصلحة السعر، لكنه يستطيع أن يبتكر في هندسة القيمة بثلاث طرق الطريقة الأولى هى تحسين الاستفادة من المساحة المبيعة، وثانيًا تثبيت الموردين بعقود طويلة الأجل لحماية تكلفة الإنشاء، وثالثًا ينبغي تنويع خطط السداد لجعل القسط الشهري في متناول الشريحة المستهدَفة، فالتنافسية الحقيقية لم تَعُد على السعر فقط بل على إجمالي ما يحصل عليه العميل من قيمة عمرانية وخدمية.
ما هي أكبر التحديات التي تواجه المطورين حاليًا في ظل الاعتماد المتزايد على أنظمة السداد الطويلة؟ وهل يمثل ذلك عبئًا تمويليًا قد يؤخر وتيرة التنفيذ؟
بصدق وشفافية، نعم - فأنظمة السداد الطويلة تحوِّل المطور إلى جهة تمويل، وهو غير مؤهل لذلك، وهذا ليس دوره الطبيعي حيث يُقدَّر حجم الأقساط المستحقة في محافظ كبار المطورين المصريين بأكثر من 1.5 تريليون جنيه وفق تقديرات قطاعية، وهو ما يُحدِث فجوة بين تدفقات الإيرادات الفعلية ومتطلبات التنفيذ السنوية، فالتحدي الأكبر ليس فقط في التمويل، بل في إدارة المخاطر الائتمانية وانضباط التحصيل، خاصة في ظل تذبذب القوة الشرائية.
والحل المستدام يكمن هنا في توسيع منظومة التمويل العقاري البنكي بحيث يتولى البنك دور المُموِّل ويتفرَّغ المطور للبناء والتسليم، وحاليًا نسبة التمويل العقاري في الناتج المحلي بمصر لا تتجاوز 1% مقابل 35 إلى 65% في الأسواق التي سبقتنا في هذا المجال، مما يكشف حجم الفرصة الضائعة وأهمية الاستفادة منها في المرحلة القادمة.
كيف تساهم الشراكات مع البنوك والتحول الرقمي في تقليل نسبة الخطأ في دراسات الجدوى والتحوط ضد التغيرات الاقتصادية المفاجئة؟
الشراكات البنكية والتحول الرقمي ليس ترفًا تكنولوجيًا بل أصبح جزءًا من البنية الأساسية لأي شركة تطوير جادة، فالبنوك توفِّر اليوم أدوات متقدِّمة لقياس الجدارة الائتمانية وتحليل سلوك العميل، وهو ما يُمكِّننا من التنبؤ بمعدلات التحصيل بدقة تتجاوز 90%، أما على الجانب الرقمي، فتطبيقات تحليل البيانات ونماذج المحاكاة باتت تَدخل في كل دراسة جدوى لاختبار حساسية المشروع لتذبذب سعر الصرف، والفائدة، وأسعار المواد.
مع استمرار البنك المركزي في سياسة التيسير النقدي وخفض الفائدة.. كيف سينعكس ذلك على تكلفة التمويل للمشروعات العقارية الكبرى؟
سياسة البنك المركزي المصري الأخيرة في خفض أسعار الفائدة تُمثِّل تحوُّلًا مهمًا للقطاع العقاري، فكل خفض بنسبة 100 نقطة أساس أي 1% يخفض تكلفة التمويل في المشروعات الكبرى بنحو 2 إلى 3% من إجمالي تكلفة المشروع، وهو فرق ضخم على مستوى مشروعات تتراوح قيمتها من 5 إلى 10 مليار جنيه، والأهم من ذلك أن انخفاض الفائدة يُحسِّن من جدوى الاقتراض البنكي للتشييد، ويُتيح للمطور هياكل تمويلية متنوعة لا تكون مجدية في زمن الفائدة المرتفعة، كذلك ينعكس الخفض على شراكات التمويل العقاري للأفراد، فتزداد قدرتهم على الشراء.
هل تتوقعون أن يؤدي تراجع الفائدة على الأوعية الادخارية إلى هجرة السيولة مجددًا نحو العقار كـ ملاذ آمن؟ وكيف سيؤثر ذلك على حجم المبيعات المستهدفة؟
بالطبع، وهذا ما يُسمَّى بـ إعادة التخصيص الاستثماري فشهادات الادخار المرتفعة، وأعلاها يصل إلى 27% بكل من البنك الأهلي المصري، وبنك مصر استطاعت في عام 2024 جذب أكثر من 2.5 تريليون جنيه من السيولة، ومع تراجع عوائدها سيبحث جزء كبير من هذه الأموال عن قنوات استثمار بديلة.
وتاريخيًا، فالعقار في مصر يستحوذ على نحو 30 إلى 40% من السيولة المُهاجِرة من الأوعية الادخارية بسبب ثقافة الشيء الذي تراه بعينك، وكونه حاجة ضرورية وليس ترفًا، ومع ذلك يجب أن نكون صادقين في أن المنافسة بين المطوِّرين ستزداد، ودخول لاعبين جدد كل أسبوع يعني أن العميل لديه خيارات أوسع، والفائز سيكون من يقدِّم منتجًا متميزًا بقيمة حقيقية، وليس فقط من يضع لوحات دعائية، ونحن في EONS، نُركِّز على جودة المنتج والقيمة مقابل السعر لصالح العميل للمنافسة في هذا السوق النشط.
تراجع الفائدة يعني انتعاشًا محتملًا لـ التمويل العقاري للأفراد، هل نرى قريبًا حلولًا تمويلية مبتكرة تنهي دور المطور كـ ممول وتجعله يتفرغ لعملية البناء فقط؟
هذا تحوُّل أتمنَّى رؤيته بكل صدق، لأنه في صالح الجميع المطور، والعميل، والبنك، والاقتصاد كله، فمبادرة البنك المركزي للتمويل العقاري لمحدودي ومتوسطي الدخل بفائدة منخفضة كانت خطوة مهمة، لكنها تستهدف شريحة محدودة، وما نحتاجه هو منتجات تمويل عقاري متعددة الشرائح الفاخر والمتوسط ومنخفض التكلفة بفوائد منافسة وفترات سداد تصل إلى 25-30 سنة كما هو الحال في الأسواق التي سبقتنا في هذا المجال، فعندما يتم ذلك، سيتحرَّر المطور ليتفرَّغ لما يُجيده وهو البناء والابتكار في المُنتج.
بعد مشروعكم لايف وايس Life Wise في القاهرة الجديدة، ما هي الخطوات القادمة في خريطة توسعات شركة EONS؟ وهل هناك نية للدخول في قطاعات جديدة كالعقارات الفندقية أو الاستثمار في مدن الجيل الرابع الجديدة مثل العلمين أو رأس الحكمة؟
لقد كان Life Wise مدرسة حقيقية في كيفية بناء فكر مشروع متكامل يجمع بين السكني والإداري والتجاري والطبي بفلسفة ومفهوم Health and Wellness
والخطوة التالية لـ EONS تتركَّز على تنمية شراكاتنا الاستراتيجية في الجانب التشغيلى، وهو ما يضمن النجاح الحقيقى للمشروعات بعد تسليم العملاء مثل الخدمات الفندقية الراقية بشراكة مع علامة عالمية متخصصة في المنتجعات الصحية ، وهو امتداد طبيعي لفلسفتنا أيضا، مع إطلاق المرحلة الثانية منLife wise في القاهرة الجديدة لاستكمال المخطط العام.
أما الساحل الشمالي والعلمين الجديدة فهي على رادارنا للدراسة الجدّية في المستقبل القريب، ونحن نؤمن بمبدأ النمو المنضبط فلا نسعى لأن نكون الأكبر بل الأكثر تأثيرًا وجودة.
فالسوق المصري مساحته كبيرة لمن يأتي بمنتج ذو قيمة حقيقية، ومنافسة اليوم لن تخدم سوى من يحترم العميل ويستثمر في الجودة على المدى الطويل.