آراب فاينانس: شهدت فعاليات اليوم الأول من منتدى القاهرة الثالث «Cairo Forum 2026»، الذي ينظمه المركز المصري للدراسات الاقتصادية على مدار يومين، تحت عنوان «استكشاف أعماق التحول العالمي.. من قمة جبل الجليد إلى الأعماق»، جلسة حوارية مع شارل ميشيل، رئيس وزراء بلجيكا الأسبق والرئيس الأسبق للمجلس الأوروبي وعضو نادي مدريد، أدارتها الدكتورة عبلة عبد اللطيف، المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، وتناولت مستقبل الاتحاد الأوروبي في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وسبل إصلاح منظومة الحوكمة الدولية، ودور القوى الدولية والإقليمية في بناء نظام عالمي أكثر عدالة وتوازنا.
أكد شارل ميشيل أن العالم يواجه تحديات معقدة وغير عادية، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي يمر بدوره بمرحلة دقيقة تتزايد فيها الانقسامات السياسية والتحديات الاقتصادية والأمنية، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتراجع القدرة التنافسية الأوروبية، والضغوط التي تتعرض لها المؤسسات الديمقراطية من الداخل والخارج.
وأوضح أن المشروع الأوروبي تأسس على فكرة أن التعاون وتجاوز خلافات الماضي يمثلان الطريق لضمان السلام والازدهار والديمقراطية لشعوب القارة، لافتا إلى أن الدول الأوروبية السبع والعشرين تعمل بصورة مستمرة لتعزيز التكامل السياسي والاقتصادي، إلا أن التحديات الراهنة تفرض إعادة النظر في آليات العمل الأوروبي وأولوياته.
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يعاني مشكلات تتعلق بالابتكار والتنافسية، محذرا من أن الإفراط في اللوائح التنظيمية والبيروقراطية يعيق إطلاق الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية، ويحد من قدرة الشركات والاقتصادات الأوروبية على مواكبة التحولات المتسارعة.
شدد رئيس وزراء بلجيكا الأسبق على أن إصلاح الاتحاد الأوروبي أصبح أمرا ملحا، موضحا أن الإصلاح المطلوب ينبغي أن ينطلق من ثلاثة أسئلة رئيسية: ماذا تريد الدول الأوروبية أن تفعل معا؟ وكيف تتخذ قراراتها المشتركة؟ وكيف يمكنها تمويل مشروعها وضمان التضامن بين أعضائها؟
وفيما يتعلق بالأولويات، أكد ضرورة تعزيز القاعدة الاقتصادية الأوروبية، والاستفادة بصورة أفضل من الإمكانات الكبيرة للسوق الموحدة، والاستثمار في القطاعات الاستراتيجية للمستقبل، إلى جانب تحمل مسؤوليات أكبر في مجالي الأمن والدفاع.
أما على مستوى اتخاذ القرار، فأشار إلى أن الخلافات المتعلقة باستخدام حق النقض «الفيتو» داخل الاتحاد الأوروبي تمثل تحديا يتعين التعامل معه، خاصة عندما يُستخدم الفيتو أداة للمساومة أو ممارسة الضغوط السياسية بدلا من الوصول إلى التوافق.
فيما يتعلق بالتمويل، أكد أن التضامن الأوروبي لا يقتصر على المساهمات المالية التي تقدمها الدول لتمويل أنشطة الاتحاد، بل يشمل أيضا تنفيذ الإصلاحات المطلوبة داخل بعض الدول الأعضاء، بما يضمن استدامة المشروع الأوروبي وقدرته على مواجهة الأزمات.
لفت إلى أن الأشهر المقبلة قد تشهد مرحلة من الاضطرابات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، في ظل الاستحقاقات الانتخابية الوطنية المرتقبة في عدد من الدول، لكنه أعرب عن تفاؤله بمستقبل المشروع الأوروبي، مؤكدا أن المزيد من التكامل يظل الخيار المتاح أمام الدول الأعضاء، وأن المرحلة المقبلة قد تتيح المجال أمام قيادات قادرة على اتخاذ قرارات جريئة بعد تجاوز فترات الاضطراب.
وأكد ميشيل أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى فهم أعمق للتحولات الجارية في النظام العالمي، مشيرا إلى أربعة تطورات رئيسية تعيد تشكيل العلاقات الدولية.
وأوضح أن التطور الأول يتمثل في المنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة والصين، وسعي كل منهما إلى تعزيز موقعه في قمة النظام العالمي، بما يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز حدود الدولتين لتؤثر في مختلف مناطق العالم.
ويتمثل التطور الثاني في ظهور ساحات جديدة للتنافس الدولي، تشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات والفضاء، بما يفرض على الدول إعادة تقييم قدراتها وأولوياتها الاستراتيجية.
أما التطور الثالث، فيتمثل في صعود ما وصفه بالقوى المتوسطة، التي أصبحت أكثر طموحا ورغبة في امتلاك هامش أوسع من الاستقلالية، بدلا من الاصطفاف الدائم خلف قوة عظمى واحدة، وهو ما يعكس تحولا في توزيع النفوذ داخل النظام الدولي.
وأشار إلى أن التطور الرابع يرتبط بأزمة منظومة الأمم المتحدة، التي اعتبر أنها لم تعد قادرة على تحقيق النتائج المطلوبة في ظل غياب الشمولية الكافية وعدم مواكبة التغيرات التي طرأت على موازين القوى العالمية، فضلا عن أوجه القصور في تحقيق العدالة داخل النظام المالي الدولي.
كما شدد على أن العالم الحالي يختلف عن العالم الذي تأسست فيه المنظومة الدولية بصورتها الراهنة، وأن استمرار عدم تمثيل التحولات العالمية بصورة عادلة يضعف قدرة المؤسسات الدولية على التعامل مع الأزمات والتحديات المشتركة.
وفي معرض حديثه عن مستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية، أكد ميشيل أن المرحلة التي كان يُنظر فيها إلى التنمية الاقتصادية والقيم الديمقراطية باعتبارهما مجالا للدور الأوروبي، بينما تتولى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو» مسؤولية الأمن والدفاع، قد انتهت.
وأوضح أن قائمة الخلافات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تتسع، وتشمل الحروب التجارية التي أطلقتها واشنطن، بما في ذلك تجاه شركائها التقليديين، إلى جانب الاختلافات في المواقف بشأن الشرق الأوسط وتغير المناخ ومستقبل النظام متعدد الأطراف.
شدد على أن التقارب التاريخي بين أوروبا والولايات المتحدة لا يمنع ضرورة الاعتراف بوجود مصالح ومواقف أوروبية مستقلة، مؤكدا أن الاتحاد الأوروبي مطالب بأن يكون أكثر واقعية ووضوحا في تحديد أولوياته، وأن يتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن مصالحه وأمنه.
وأضاف أن هناك توقعات متزايدة في مناطق مختلفة من العالم بأن يؤدي الاتحاد الأوروبي دورا أكثر حضورا وطموحا في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد، والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتجنب ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات والصراعات الدولية.
وأكد أن مسؤولية الاتحاد الأوروبي لا تتمثل في توجيه اللوم إلى الآخرين، بل في مراجعة أدائه وقدرته على التحرك بفاعلية، وبناء شراكات أكثر قوة ومصداقية مع مختلف الأطراف الدولية.
في حديثه عن العلاقات بين القوى الدولية، استعرض ميشيل خبرته الممتدة خلال عشر سنوات في المجلس الأوروبي، مؤكدا أن الوصول إلى اتفاقات ناجحة ومقبولة من مختلف الأطراف يتطلب الاستماع الفعلي إلى الشركاء، وعدم الاكتفاء بعرض المواقف والدفاع عنها.
وأوضح أن الاستماع لا يعكس الاحترام المتبادل فحسب، بل يساعد أيضا على فهم الأسباب التي تدفع الأطراف الأخرى إلى تبني مواقف مختلفة، بما في ذلك خلفياتها التاريخية وخصوصيتها الثقافية والتحديات التي تواجهها.
وأشار إلى أن العلاقات الدولية كثيرا ما تشهد قصورا في فهم وجهات نظر الآخرين، وهو ما يعرقل فرص التفاهم والتوصل إلى حلول مشتركة، مؤكدا أن بذل الجهد لفهم المصالح والمخاوف المتبادلة يمثل عنصرا أساسيا في بناء علاقات دولية أكثر استقرارا وفاعلية.
في هذا السياق، دعا إلى تعزيز الحوار بين الدول، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه من ضرورة تطوير آليات التعاون والتفاهم بين مختلف القوى.
تناول ميشيل أزمة الحوكمة الدولية، مؤكدا أن حق النقض «الفيتو» في منظومة الأمم المتحدة لا ينبغي التعامل معه باعتباره امتيازا تتمتع به الدول التي تملكه، وإنما مسؤولية تهدف إلى حماية ميثاق المنظمة ومبادئها.
وانتقد ما وصفه بالتناقض بين الغرض الذي أُنشئ من أجله هذا الحق والممارسات التي تشهدها الساحة الدولية، مشيرا إلى أن بعض الدول التي تمتلك الفيتو تنتهك مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يعكس حجم الأزمة التي تواجه النظام الدولي.
وأكد أن إصلاح الأمم المتحدة أصبح ضرورة لا يمكن تجاهلها، رغم الاعتقاد السائد بأن الإصلاح قد يكون صعب التحقيق في ظل موازين القوى الحالية، مشددا على أن صعوبة الإصلاح لا تعني الاستغناء عنه أو التخلي عن السعي لتحقيقه.
واستشهد بمقولة نيلسون مانديلا «لأنه لم يكن ممكنا، فقد فعلناه»، داعيا إلى التحلي بالإرادة اللازمة لإحداث تغيير جاد في منظومة الأمم المتحدة، بما يعزز قدرتها على تمثيل العالم المعاصر والتعامل مع تحدياته بصورة أكثر عدالة وفاعلية.
اختتم ميشيل بالتأكيد على أهمية الاستماع إلى الآخرين واحترام وجهات نظرهم، إلى جانب ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية، بما يضمن التزام جميع الدول بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، دون استثناءات أو معايير مزدوجة.