آراب فاينانس: ناقشت جلسة بعنوان: "منظمة التجارة العالمية عند مفترق الطرق.. هل تصمد قواعد التجارة العالمية في عالم يتسم بالانقسامات"، خلال فعاليات منتدى القاهرة الثالث Cairo forum2026، التحديات التي تواجه منظمة التجارة العالمية في ضوء التطورات التي شهدتها التجارة العالمية في الفترة الأخيرة.
وشارك فى الجلسة متحدثا كل من: أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، والدكتورة إليانا أوليفييه، مدير مجموعة مراكز الفكر الأوروبية، ومحمد فريد بلحاج نائب رئيس سابق في البنك الدولى، وأدارها عبد الحميد ممدوح مستشار قانوني مدير سابق لقسم تجارة الخدمات والاستثمار بمنظمة التجارة العالمية.
وأكد أحمد رستم وزير التخطيط، والتنمية الاقتصادية أن منظمات التجارة تلعب دورا كبيرا في تحمل مسؤولية التنبؤ لخدمة التجارة والقطاع الخاص، لافتا إلى أن هناك أولوية بضرورة إتاحة الوصول إلى الأسواق بشكل آمن، وتناول وزير التخطيط أهمية تطور التجارة الرقمية لضمان تحقيق التحول المطلوب بحلول عام 2030.
وتحدث عبد الحميد ممدوح عن أهمية التجارة العالمية وخاصة تجارة الخدمات المسؤولة عن نحو 70% من الدخل القومي العالمي، كما أن تطوير التجارة والخدمات أمرا أساسيا لتطوير الصناعة، لافتا إلى أهمية عنصر التنبؤ للمستثمرين، لذا لابد من وجود قواعد ملزمة، في الوقت الذى تغيرت فيه النظرة العالمية للتجارة وأصبحت منظمة التجارة العالمية نفسها وقواعدها بعيدة عن الواقع، بينما تعاني الدول أزمات حقيقية.
وأكدت إليانا أوليفييه، أن منظور التجارة في الاتحاد الأوروبي تغير بشكل كبير وأصبحت التجارة مع الدول الجنوب في زيادة أعلى من التجارة مع دول الشمال، كما أن الاتحاد الأوروبي أصبح يبحث عن الشعور بالأمان بدلا من الكفاءة، والاعتماد على مصادر الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، كما أن هناك أنواع من التجارة باتت ذات أولوية للاقتصاد الأوروبي لتوفير فرص عمل.
ومن جانبه، قال أنطونيو فيلانفرانكا نائب رئيس معهد الدراسات السياسية الدولية لشؤون البحوث، إن منظمة التجارة العالمية تأثرت كثيرا بسياسة ترامب ولكنه ليس هو السبب الوحيد، حيث فشلت المنظمة في مواجهة التحديات والحفاظ على قواعدها، ولو لم تكن المنظمة في حالة انتحار لكانت الدول تجمعت وحافظت على مصالحها، مشيرا إلى أن المنظمة فشلت في التنبؤ.
ودعا محمد فريد بلحاج، إلى تغيير منظمة التجارة العالمية، ومنطق حرية التجارة يتلاشى الآن، حيث تحولنا من التعددية إلى تجمعات أصغر، وهو ما يستوجب على منظمة التجارة الدولية أن تسعى للعب دور المؤسس المشترك في جهود التغير.
مو إبراهيم يوجه رسالة للشباب الأفريقي
ومن جانبه وجه مو إبراهيم، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مؤسسة مو إبراهيم خلال كلمته بالمنتدى رسالة إلى الشباب الأفريقي، دعا خلالها الأجيال السابقة إلى الاعتراف بإخفاقاتها في إدارة مرحلة ما بعد الاستقلال، مشيرا إلى أن عددا من الدول الأفريقية كان يتمتع عند الاستقلال بأوضاع اقتصادية أفضل مما وصل إليه لاحقا، بل إن بعضها كان في وضع أفضل من دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة.
وأكد أن الأمل في مستقبل القارة يرتبط بالشباب الذين يتمتعون بمستويات أفضل من التعليم والاطلاع على المعلومات مقارنة بالأجيال السابقة، مشددا على أن التغيير لن يتحقق بمجرد الحديث عن تمكين الشباب.
وقال إبراهيم إن الشباب لا يحتاجون إلى انتظار الأجيال الأكبر سنا حتى تمنحهم القدرة على التأثير، بل عليهم المبادرة وتولي زمام الأمور بأنفسهم، مضيفا أن انتظار الآخرين لتمكينهم لن يقود إلى النتائج المطلوبة.
وشدد إبراهيم على أن الحكم الرشيد يمثل أحد المحركات الرئيسية للتغيير في أفريقيا، موضحا أن التنمية لا تقتصر على تحقيق النمو الاقتصادي أو تحسين خدمات الصحة والتعليم، وإنما تتطلب أيضا توفير الأمن والأمان للمواطنين، واحترام حقوقهم، وتعزيز سيادة القانون والمشاركة.
وأشار إلى أن الدول قد تحقق تقدما اقتصاديا في بعض المراحل، لكنها ستظل معرضة لأزمات كبيرة إذا لم تتمكن من ضمان أمن المواطنين وحماية حقوقهم، مؤكدا أن ضعف الحوكمة يظل من أبرز التحديات التي تعرقل التنمية المستدامة في القارة.
وفيما يتعلق بحقوق الإنسان والعنف ضد المرأة، لفت إلى أن وجود مزيدا من القوانين لم ينعكس بالضرورة على أداء الدول الأفريقية في مجالات الأمن وسيادة القانون وحماية الحقوق، بما يعكس الفجوة بين التشريعات والتطبيق الفعلي.
وأعرب إبراهيم عن قلقه إزاء الارتفاع الكبير في تكلفة رأس المال في أفريقيا، موضحا أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الديون التي تتحملها الدول، وإنما أيضا بأسعار الفائدة المرتفعة التي تدفعها مقابل الاقتراض، وهو ما يحد من قدرتها على توجيه الموارد إلى الاستثمار والتنمية.
وقارن بين تعامل الأسواق والمؤسسات الدولية مع مستويات الدين في الدول الأفريقية ونظيراتها المتقدمة، مشيرا إلى أن الدول الأفريقية قد تواجه ضغوطا عند مستويات دين أقل بكثير من المستويات المسجلة في دول مجموعة السبع، في ظل اختلاف تكلفة الاقتراض وشروط التمويل.
وأضاف أن ارتفاع العائد المطلوب على الاستثمارات الأفريقية يمثل عقبة كبيرة أمام جذب رؤوس الأموال، داعيا إلى مناقشة مدى استناد المخاطر التي يجري تسعيرها إلى عوامل موضوعية، ومدى ارتباطها بتصورات سلبية عن القارة.
وأكد أن معالجة هذه المشكلة ضرورية لتشجيع الاستثمار وتوسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص التنمية في الدول الأفريقية.
وتطرق إبراهيم إلى قضية التدفقات المالية غير المشروعة، مشيرا إلى أن أفريقيا تخسر نحو 90 مليار دولار سنويا نتيجة هذه التدفقات، وهو ما وصفه بأنه تحد كبير يستدعي تحركا دوليا أكثر فاعلية.
وأوضح أن هذا الرقم يعادل نحو ضعف حجم المساعدات المقدمة إلى القارة، معتبرا أن الأولوية يجب أن تكون لاستعادة الأموال الأفريقية التي تخرج بطرق غير مشروعة، بدلا من الاعتماد على المساعدات الخارجية.
وأشار إلى أن المؤسسة عملت على طرح القضية في المحافل الدولية، بما في ذلك مجموعة العشرين، وأسهمت جهودها في دفع جهات دولية إلى مناقشة إجراءات وتوصيات بشأنها، لكنه شدد على أن ترجمة هذه الجهود إلى خطوات تنفيذية ملموسة لا تزال تمثل تحديا.
ينبغي إنشاء سوق أفريقية مشتركة
وأكد إبراهيم ضرورة العمل على إنشاء سوق أفريقية مشتركة، وإزالة الحواجز التي تعوق انتقال السلع والأشخاص بين الدول، معتبرا أن استمرار القيود الحدودية وتعدد القواعد واللوائح والاتفاقيات التجارية الوطنية يضعف قدرة القارة على تحقيق مصالحها الاقتصادية.
وقال إن الدول الأفريقية، البالغ عددها 54 دولة، لا تستطيع التفاوض بصورة متكافئة مع قوى اقتصادية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين إذا تحركت كل دولة بمفردها، داعيا إلى تعزيز العمل الجماعي والتفاوض باسم القارة.
وأضاف أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استعداد الدول الأفريقية للتنازل عن بعض عناصر السيادة لصالح الاتحاد الأفريقي، بما يسمح ببناء سوق مشتركة قادرة على دعم التجارة والاستثمار وتعزيز القوة التفاوضية للقارة.
ضرورة الاستفادة من التجربة الأوروبية
واستشهد بالتجربة الأوروبية، معتبرا أن السوق الأوروبية المشتركة تمثل إحدى أبرز قصص النجاح الاقتصادي في أوروبا، وأن التكامل الاقتصادي الأفريقي يمكن أن يحقق مكاسب مماثلة إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة.
تناول إبراهيم أهمية توافر البيانات الموثوقة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أفريقيا، مشيرا إلى وجود فجوات كبيرة في البيانات التي تحتاج إليها المؤسسات وصناع القرار لفهم واقع القارة وتقييم أدائها.
وأوضح أن مؤسسة مو إبراهيم تعمل على جمع البيانات من مصادر متعددة، مستفيدة من شبكة تضم 51 مصدرا للبيانات، إلى جانب اتفاقيات مع جهات ومؤسسات دولية تمتلك بيانات عن أفريقيا.
وأكد أن إتاحة البيانات الموثقة تتيح تقييم أداء الدول في مجالات الحوكمة والأمن وسيادة القانون والحقوق، وتساعد على تحديد أوجه القصور ومتابعة مدى استجابة الحكومات للمؤشرات والتوصيات.
واختتم إبراهيم بالتأكيد على أن أفريقيا بحاجة إلى تحديد موقعها في عالم يمر بمرحلة استثنائية من الاضطرابات والتحولات، وأن تجاوز التحديات الراهنة يتطلب حوكمة أفضل، وتكاملا اقتصاديا أوسع، ومعالجة أعباء التمويل والديون، إلى جانب منح الشباب مساحة حقيقية لقيادة مستقبل القارة.