الضرائب في مصر.. تيسيرات جديدة ضمن الحزمة الثانية من الإصلاح الضريبي

أخر تحديث 2026/01/14 02:59:00 م
 الضرائب في مصر.. تيسيرات جديدة ضمن الحزمة الثانية من الإصلاح الضريبي

آراب فاينانس: تجري الحكومة حاليًا حوارًا مجتمعيًا حول حزمة الإصلاحات الضريبية الثانية والتي تتضمن تيسيرات ضريبية تشمل ما يسمى بكارت التميز الضريبي، والذي يمنح صاحبه أولوية في تقديم الخدمات الضريبية، فضلًا عن مزايا أخرى للملتزمين ضريبيًا.

ووفق التقرير المالي الشهري عن شهر ديسمبر 2025 الصادر عن وزارة المالية فقد بلغت جملة الإيرادات العامة نحو 1.1 تريليون جنيه خلال الفترة من يوليو حتى نوفمبر من العام المالى 2025/2026 لترتفع بنحو 272.5 مليار جنيه بنسبة نمو %33 مقابل 828.1 مليار جنيه خلال نفس الفترة من العام المالى السابق حيث تساهم المتحصلات من الإيرادات الضريبية بنحو %87.4 من إجمالي الإيرادات. 

وحسب ذات التقرير مثلت الإيرادات الضريبية نحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي مدفوعًا بتحسن العلاقة مع مجتمع الأعمال واستمرار جني ثمار الحزمة الضريبية الأولى.

ويقول حاتم رفعت خبير الضرائب إن الإصلاحات الضريبية الأخيرة تمثل خطوة مهمة في تحسين مناخ الاستثمار، خاصة مع الاتجاه نحو تبسيط الإجراءات، والتحول الرقمي، وتقديم حوافز واضحة للمستثمرين حيث يستطيع أي مستثمر أيا كان نشاطه الخدمي أو الصناعي أو التجاري أن ينضم إلي النظام الضريبي المبسط طبقا لقانون التيسيرات الضريبية الذي تم طرحه في المرحلة الاولى وهي نسبة بسيطة من الإيراد فقط لا تتجاوز 1.5% تدفع كل عام في إقرار ضريبي مبسط مكون من ورقتين فقط.

ويؤكد أن الحزمة الأولى من التيسيرات الضريبية وضعت الأساس الحقيقي للإصلاح الضريبي من خلال التحول الرقمي، ومنظومة الفاتورة والإيصال الإلكتروني، وربط قواعد البيانات منوهًا بأنه ورغم وجود بعض التحديات في البداية، إلا أنها كانت مرحلة ضرورية ومهمة، ومهدت الطريق لما نشهده حاليًا من تطوير أكبر في الإدارة الضريبية وتحسين العلاقة بين الدولة والممول.

وكان وزير المالية أحمد كجوك قد قال في تصريحات صحفية مؤخرًا، إن الوزارة تستهدف إعداد أربع حزم من التسهيلات الضريبية لتحفيز مجتمع الأعمال، لافتًا إلى أنه تم بالفعل تقديم الحزمة الأولى خلال العام المالي الماضي، ويجري العمل حاليًا على الحزمة الثانية تمهيدًا لطرحها قريبًا.

ويشير رفعت إلى قيام مصلحة الضرائب المصرية بتبسيط الأعباء والغرامات الضريبية التي كانت تقع على عاتق المستثمرين حيث تم منح المستثمرين الكثير من الإعفاءات للتيسير عليهم فالمستثمر اليوم لا ينظر فقط إلى سعر الضريبة، ولكن إلى استقرار السياسات، ووضوح القواعد، وسرعة الإجراءات، وهو ما بدأت الدولة تعمل عليه فعليًا، وفي ظل المنافسة الإقليمية، فإن وجود نظام ضريبي أكثر شفافية وعدالة يمنح مصر ميزة تنافسية حقيقية، خصوصًا مع كبر حجم السوق المحلي وتنوع الفرص الاستثمارية.

ويوضح رفعت أن أهم مزايا الحزمة الثانية من الإصلاحات الضريبية هو التركيز على التيسير الضريبي، وتسوية المنازعات، وتقليل النزاعات بين الممول والإدارة الضريبية، وهو توجه إيجابي للغاية.

كما تضمنت الإصلاحات الضريبية أيضًا حسب رفعت إعادة الهيكلة لرد ضريبة القيمة المضافة لتبسيط وتسريع الإجراءات، وذلك لتوفير السيولة لدى الممولين إلى جانب تعديل تشريعي لإعفاء توزيعات الأرباح للشركات المصرية التابعة للشركة القابضة المقيمة بمصر.

وينوه رفعت إلى أن الحزمة الثانية تشمل التحول لضريبة الدمغة بدلًا من الأرباح الرأسمالية، وذلك لتحفيز الاستثمار المؤسسي فى البورصة المصرية فضلًا عن إعداد قائمة بيضاء وكارت تميز يتيح للممولين الملتزمين أولوية في الحصول على الخدمات المتخصصة وحوافز إضافية.  

كما تستهدف التعديلات الجديدة حسب الخبير الضريبي تدشين منظومة إلكترونية لإنهاء كل حالات تصفية وإغلاق الشركات في أسرع وقت ممكن مع إنشاء موبايل أبليكشن للتصرفات العقارية للإخطار وسداد قيمة الضريبة المستحقة بسهولة مع إقرار ضريبة 2.5? من قيمة بيع الوحدة للشخص حتى إذا قام بأكثر من تصرف عقاري بخلاف ما كان متبع في السابق حيث كان يتحمل من يبيع أكثر من وحدة من الأفراد عبء ضريبي أكبر من 2.5%.  

الفاتورة الإلكترونية ساهمت في حصر المجتمع الضريبي

ويؤكد رفعت أن منظومة الفاتورة الإلكترونية ساهمت بشكل كبير في حصر المجتمع الضريبي الفعلي، من خلال تتبع حركة البيع والشراء بشكل دقيق، وهذا التوسع لم يتم عن طريق زيادة الضرائب على الملتزمين، بل من خلال إدخال أنشطة كانت تعمل خارج المنظومة، مما أدى إلى توزيع العبء الضريبي بشكل أكثر عدالة، وتحسين كفاءة التحصيل دون أعباء إضافية وذلك عبر تقسيم الممولين لشركات كبيرة ومتوسطة فضلًا عن الكيانات الصغيرة والتي تتعامل بالإيصال الإلكتروني المبسط بينما تتعامل الشركات بمنظومة الفواتير الإلكترونية مما يخدم رؤية مصر 2030.

ويرى وليد مبارك مدير الضرائب بشركة سيمنز للطاقة ومأمور الضرائب بالمركز الضريبي لكبار الممولين سابقًا أن الإصلاحات الضريبية التي أطلقتها الحكومة المصرية منذ عام 2023 وحتى 2025 تشكل نقلة نوعية في مناخ الاستثمار المصري إذ أتاحت هذه الإصلاحات تيسيرات عديدة للمستثمرين، جعلت مصر بيئة أكثر جذبًا مقارنة بالعديد من دول المنطقة التي تتنافس على جذب رؤوس الأموال حيث أدى وضوح اللوائح وتبسيط الإجراءات وخفض الأعباء الضريبية وهو أولى سمات هذه الإصلاحات إلى زيادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على السواء، مما انعكس على ارتفاع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

وبلغ صافي التدفقات من الاستثمار الأجنبي المباشر في نهاية عام 2025 12.2 مليار دولار مقارنة بـ 46.1 مليار دولار عام 2024 مدفوعًا باستثمارات مشروع رأس الحكمة.

وأضاف مبارك أن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية ستتيح بيئة أعمال أكثر مرونة، وستسرع من وتيرة رد الضرائب المستحقة للشركات، مما يعزز من السيولة ودعم الاستثمار المؤسسي في البورصة كما سيستفيد المواطن العادي من خفض الضرائب على الأجهزة الطبية، ما يخفف من الأعباء الصحية على الأسر، إلى جانب ذلك، ستتيح التسهيلات الجديدة خدمات رقمية تزيد من الشفافية وسرعة إنهاء المعاملات، ما يعزز من ثقة الممولين في منظومة الضرائب، ويقلص من حالات التهرب الضريبي بفضل التكامل مع منظومة الفاتورة الإلكترونية.

ويتفق الدكتور أدهم البرماوي أستاذ الاقتصاد والمالية العامة والخبير الاقتصادي بمركز المعلومات ودعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء مع هذه الزاوية حيث يرى أن الإصلاحات الضريبية الحالية تمثل حجر الزاوية في بناء اقتصاد حديث وقادر على المنافسة حيث تعد محاولة جادة للانتقال من الاقتصاد الرمادي إلى الاقتصاد المنظم الذي يكفل حقوق الدولة ويحمي استثمارات الأفراد.

ويؤكد البرماوي أن السياسة المالية في الدولة المصرية تشهد مرحلة تحول جذري، حيث انتقلت الفلسفة الضريبية من مجرد كونها أداة لجمع الإيرادات السيادية إلى محفز استراتيجي للنمو الاقتصادي.

الإصلاح الضريبي يقلل من التقديرات الجزافية

وحول إمكانية تحقيق العدالة الضريبية بعد هذه التيسيرات الضريبية الأخيرة يوضح رفعت أن تحقيق هذه العدالة الضريبية يتم عندما يدفع كل ممول الضريبة المستحقة عليه وفق قدرته الحقيقية على الدفع، دون تمييز أو تهرب، لافتًا إلى أن الإصلاحات الحالية، خاصة الاعتماد على البيانات الإلكترونية وربط الجهات المختلفة، تساعد على تقليل التقديرات الجزافية، وتطبيق مبدأ المساواة أمام القانون، بحيث لا يتحمل الملتزم العبء وحده، بينما يكون غير الملتزم خارج المنظومة.

تفعيل نظام المقاصة يخفف من أعباء السيولة

كما ستسمح التعديلات الجديدة بإجراء المقاصة بين الأرصدة الدائنة والمدينة للممولين والمكلفين لتيسير سداد الأعباء الضريبية.

ويشير رفعت أن تفعيل نظام المقاصة بين مستحقات المستثمر لدى الجهات الحكومية ومديونياته الضريبية وهى خطوة جوهرية خففت من أعباء السيولة، مما منح مصر ميزة تنافسية أمام الدول التي تتسم إجراءات رد الضريبة فيها بالبطء.

وشدد رفعت على أن ضم الاقتصاد غير الرسمي للمنظومة الضريبية يتطلب مزيجًا من الحوافز والتيسير، وليس فقط الإجراءات العقابية، وذلك عبر تبسيط التسجيل، وتقديم نظم ضريبية مبسطة، وحوافز مؤقتة للانضمام، وكلها أدوات فعالة منوهًا بأن إدماج هذا القطاع داخل المنظومة الضريبية يحقق العدالة الضريبية لأنه يخفف الضغط عن الممولين الملتزمين، ويزيد موارد الدولة، ويخلق بيئة تنافسية أكثر انضباطًا حيث وضع المشرع المصري بعض الإجراءات للتبسيط على الممول وضمه للسوق الرسمي وإعطائه الكثير من التحفيز عند انضمامه لمظلة التيسيرات والتسهيلات الضريبية إلى جانب طمأنته من عدم استخدام التقديرات الجزافية التي كانت تحدث لبعض المستثمرين والمسجلين في السابق.

وأضاف أن تطوير المنظومة الضريبية سيؤدي إلى استيعاب الجميع وجعل حتى السوق غير الرسمي الذي ليس له أي بيانات تذكر ينضم لتلك المظلة الضريبية المبسطة وفي تلك الحالة سيشعر المستثمرين والممولين بالمساواة وتحقيق العدالة الضريبية ومن الأمور التي تحقق الكثير من العدالة وضع حد أقصى لغرامات التأخير وهي بحد أقصى أصل الدين الضريبي حيث كان في السابق تتخطى هذه الغرامات والضرائب الإضافية أصل الدين الضريبي مما يحدث فجوة كبيرة للكثير من الممولين.

وحول تأثير هذه الإصلاحات على المشهد الاستثماري في مصر يوضح البرماوي أنه في ظل التنافس المحموم بين دول المنطقة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، أدركت وزارة المالية المصرية أن سعر الضريبة ليس هو العامل الوحيد الجاذب، بل اليقين الضريبي وسهولة الإجراءات الضريبية من خلال تعزيز الثقة حيث عملت الإصلاحات على إزالة الغموض التشريعي، مما يوفر للمستثمر رؤية واضحة لتكاليفه المستقبلية، وهو ما يضاهي الأنظمة العالمية المعمول بها في مراكز الاستثمار الكبرى.

وطالب البرماوي بـ ضرورة  تبسيط ضريبة الدخل للأفراد لتشمل أصحاب المهن الحرة بنماذج أكثر مرونة مع تطوير العنصر البشري لضمان توافق أداء مأموري الضرائب مع الفكر الإصلاحي الجديد إلى جانب الاستقرار التشريعي لضمان عدم تغيير هذه القواعد لفترة زمنية كافية لبناء طمأنة كاملة لدى المستثمر طويل الأجل.

بينما اختتم رفعت حديثه قائلًا بأن المنظومة الجديدة قد تواجه بعض التحديات حيث يتمثل التحدي الأساسي في التطبيق العملي وسرعة التنفيذ، إضافة إلى ضرورة استمرار تدريب العاملين ورفع الوعي لدى الممولين، حتى تتحول هذه الإصلاحات من نصوص وتشريعات إلى أثر حقيقي ملموس على أرض الواقع.

وتستهدف وزارة المالية رفع نسبة الإيرادات الضريبية من الناتج المحلي الإجمالي إلى 15.2% بحلول العام المالي 2030/2029، مقارنة بـ12.2% بنهاية العام المالي الماضي، بحسب بيانات وزارة المالية.

وكان صندوق النقد الدولي أشاد بالأداء المالي للحكومة المصرية مؤخراً من خلال تحقيق فائض أولي قدره 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الماضية 2024-2025، وقال إن ذلك كان مدفوعاً بأداء قوي للإيرادات الضريبية التي نمت بنسبة 36% بفضل إصلاحات لتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين الامتثال الطوعي، وتبسيط الإعفاءات.

لكن الصندوق نبه في ختام مراجعات لبرنامجي تمويل مع مصر في ديسمبر الماضي إلى أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي ما زالت عند مستويات متواضعة بالمعايير الدولية لتشكل 12.2% من الناتج، داعية إلى بذل جهود متواصلة لسد الفجوة في معدل الضرائب إلى الناتج المحلي ووضع إجمالي دين القطاع العام على مسار هبوطي ثابت.

 

 

اخبار مشابهة