في السنوات الأخيرة لم تعد ثقافة تداول الأموال أمراً غريبا بين أفراد الشعب الأردني. بل أصبحت ثقافة منتشرة ويتدارسها الكثيرون، حيث ينشط المستثمر الفردي الأردني في عدة أسواق مالية، محليّة وعالميّة. أبرزها بورصة عمّان التي تضم شركاتً أردنية في القطاعات المالية والصناعية والخدمية.
يمكن للأفراد التداول في أسهم هذه الشركات أو شراء سندات الدين الحكومية والأذونات الشرائية. كما يتداول البعض في العملات الأجنبية (الفوركس) عن طريق البنوك وشركات الوساطة المعتمدة؛ حيث يمكن المضاربة على أزواج العملات الرئيسية (مثل دولار/دينار) وسيلة لتأمين مدخراته.
بالإضافة إلى ذلك، توفر الإنترنت وصولاً للأسواق العالمية: فمن خلال وسطاء دوليين مرخصين يمكن شراء أسهم أمريكية وأوروبية أو التداول في مؤشرات عالمية (مثل S&P500) وعقود الفروقات للسلع (نفط، ذهب، إلخ).
وفي السنوات الأخيرة لفتت العملات الرقمية الأنظار؛ إذ يتداول بعض الأردنيين البيتكوين والعملات الأخرى كأدوات مضاربة، ويجري ذلك غالباً عبر منصات مرخصة خارجية دون تنظيم محلي كامل (مع الإشارة إلى صدور قانون الأصول الافتراضية الجديد في 2025 لتوضيح الإطار التنظيمي).
لبدء التداول، يحتاج المستثمر إلى فتح حساب تداول لدى إحدى شركات الوساطة المرخصة. تشتمل خطوات الإعداد عادة على: اختيار وسيط منضبط (مرخص من هيئة الأوراق المالية)، ثم تعبئة نموذج التسجيل بالمعلومات الشخصية، وإرفاق صورة الهوية وإثبات العنوان. بعد ذلك، يمر حساب المستثمر بعملية تحقق (KYC) للحصول على الموافقة. عقب قبول الطلب، يودع المستثمر المبلغ المالي المبدئي في حسابه عن طريق التحويل البنكي أو أي وسيلة دفع مدعومة، ليتمكن بعدها من تنفيذ صفقات الشراء والبيع عبر منصة الوساطة. تتمثل النصيحة الجوهرية هنا في التأكد من التفاهم الكامل على رسوم التداول وعقود الخدمة مع الوسيط، والتدرّب باستخدام حساب تجريبي في البداية لاكتساب الخبرة قبل الاستثمار بأموال حقيقية.
يُستحسن أن يلتزم المتداول الفردي بأفضل الممارسات لتجنب الخسائر غير المتوقعة. منها تنويع المحفظة الاستثمارية (عدم التركيز على أصل مالي واحد)، والحرص على عدم استخدام جزء كبير من الحساب في صفقة واحدة. كذلك يجب اتباع خطة للتداول والالتزام بها دون الانسياق وراء الضغوط النفسية أو الشائعات. واستخدام أدوات إدارة المخاطر كأمر وقف الخسارة للحد من الخسائر في كل صفقة.
من جهة أخرى، تتضمن المخاطر الرئيسية تقلبات السوق الكبيرة؛ فقد يواجه المستثمر خسائر فادحة إذا زادت تقلبات الأسعار فجأة خاصة عند استخدام الرافعة المالية (من مخاطر “الرصيد السلبي”).
ويضاف لذلك المخاطر التقنية مثل انقطاع الخدمة أو بطء الاتصال عند تنفيذ الصفقات، بالإضافة إلى احتمالات الاحتيال من بعض الوسطاء غير الموثوقين. لذا من المهم أن يكون المستثمر يقظاً لهذه المخاطر ويدير رؤوس أمواله بحذر، وأن يولي اهتماماً كبيراً لاختيار وسيط مرخص وذو سمعة حسنة.
هيئة الأوراق المالية الأردنية هي الجهة الرسمية المنوط بها حماية المستثمرين وضبط عمل السوق المالي. تنص أهدافها القانونية على حماية حقوق المستثمرين وتنظيم السوق لضمان العدالة والكفاءة والشفافية. لذلك تفرض الهيئة شروطاً لإدراج الشركات، وتراقب الإفصاحات المالية وتطبيق التعليمات التنظيمية. بالإضافة إلى ذلك، هناك آليات قانونية للتظلم؛ فإذا اعتقد المستثمر أن حقه قد انتهك، فيمكنه تقديم شكوى رسمية للهيئة.
وعلى الجانب النقدي، يشرف البنك المركزي على استقرار سعر الصرف ويحدد إطاراً لتداول العملات الأجنبية عبر القنوات المصرفية المعتمدة. تؤدي هذه الأطر التنظيمية إلى توفير حماية نسبية للمستثمر الفرد من التلاعب، كما تعزز الثقة في بيئة التداول.
أظهرت البيانات الأخيرة توسعاً ملموساً في قاعدة المستثمرين الأفراد. فقد شهدت بورصة عمّان عام 2025 صعوداً قياسياً؛ أغلق المؤشر العام عند مستوى قريب من 3611 نقطة مسجلاً ارتفاعاً سنوياً يزيد على 45% مقارنة بنهاية 2024. هذا الأداء القوي تزامن مع زيادات في حجم السيولة وقيمة التداول اليومية، وهو ما يعكس انتعاشاً في شهية المستثمرين الأفراد والشركات على حدّ سواء. كما سُجلت مستويات تداول مرتفعة في عدة أشهر، بدعم إجراءات حكومية خفّضت الرسوم وزادت الإعفاءات الضريبية، مما عزّز ثقة المستثمرين المحليين وزاد من تفاعلهم مع السوق. كل هذه المؤشرات تدل على أن عدد المتعاملين الأفراد في السوق المالي الأردني آخذٌ في التزايد، خاصة بين فئات الشباب والمهنيين الذين يسعون لتنمية مدخراتهم واستثمار جزء منها في الأسهم والصناديق الاستثمارية.
يؤثر الوضع الاقتصادي كلياً بوضوح على قرارات المستثمرين الأردنيين. فمن الناحية المحلية، يعتمد الاقتصاد الأردني بشكل كبير على عوامل خارجية؛ فمثلاً تشكّل تحويلات الأردنيين العاملين بالخارج نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، والبلاد معتمدة أيضاً على الواردات وخصوصاً في مجال الطاقة. لذا فإن ارتفاع أسعار النفط أو توترات إقليمية تنعكس على تكلفة المعيشة والقدرة الشرائية، مما قد يضغط على سوق الأسهم. أما دولياً، فالتقلبات في الأسواق العالمية (مثل رفع أسعار الفائدة الأمريكية أو اضطرابات الأسواق) تؤثر في نفسية المستثمرين؛ فعند تحسن المناخ الاقتصادي العالمي أو استقرار التضخم، قد يزداد التفاؤل محلياً.
ويظهر ذلك الارتفاع الكبير في التدفقات الأجنبية للبلاد؛ ففي النصف الأول من عام 2025 ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.05 مليار دولار (بنمو 36.4% مقارنة بالفترة نفسها من 2024)، ما يوضح الثقة الدولية المتنامية في الاقتصاد الأردني. باختصار، على المستثمر الأردني أن يوازن بين التوقعات المحلية (الإصلاحات الحكومية واستقرار السياسات) وتأثير العوامل الخارجية (أسعار السلع عالمياً وسياسات البنوك المركزية الكبرى) عند بناء استراتيجياته الاستثمارية.
يواجه المستثمر الفرد في الأردن تحديات متنوّعة. أبرزها محدودية عمق السوق (قلة الأصول المتاحة مقارنة بالاقتصادات الأكبر)، والحاجة المستمرة إلى نشر الثقافة المالية لتفادي قرارات عشوائية. كما أن التقلبات العالمية تمثل ضغطاً إضافياً؛ فالأزمات الاقتصادية أو السياسية في الخارج قد تردّد أداء السوق المحلي. ومع ذلك، هناك فرص واعدة تتبلور. فقد أطلقت الحكومة إصلاحات تدعم السوق المالي، مثل قانون الاستثمار الجديد الذي منح تسهيلات وحوافز للمستثمرين الأجانب(وحتى فرصة الحصول على الجنسية، مما يُتوقع أن يجذب رؤوس أموال جديدة إلى الأردن. وبرزت أدوات مالية مبتكرة؛ فقد تم إدراج صناديق استثمارية مشتركة جديدة، وتم إطلاق منصات للتمويل الجماعي، وتوفير الصناديق المؤشرية.
أما تكنولوجيا التداول فقد شهدت نهضة، إذ طوّرت البورصة منظومة تداول إلكترونية متكاملة تشمل منصات تداول على الإنترنت وتطبيقات هاتف ذكي وتطبيق XBRL للإفصاح. وهذا يسهل على المستثمرين متابعة السوق بشكل لحظي واتخاذ قرارات سريعة.
بفضل هذه التطورات التنظيمية والتقنية، بالإضافة إلى التحفيزات الحكومية (كخفض رسوم التداول والإعفاءات الضريبية)، يتمتع المستثمر الفرد اليوم بفرص أفضل لتنمية مدخراته بشكل أكثر أماناً وفاعلية مقارنة بالماضي. في النهاية، يظل نجاح المستثمر الأردني مرتبطاً بمراقبة المخاطر والتكيف المستمر مع المتغيرات الاقتصادية.