أحداث فنزويلا تخيم على أسواق النفط.. كيف ستتأثر مصر؟

أخر تحديث 2026/01/05 02:25:00 م
أحداث فنزويلا تخيم على أسواق النفط.. كيف ستتأثر مصر؟

آراب فاينانس: خيمت أحداث فنزويلا على أسواق أسعار النفط والطاقة، وذلك إثر تداعيات إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث شهدت الأسواق تذبذبًا في الأسعار.   

وتراجعت أسعار النفط مع تقييم المتعاملين لتداعيات إقدام الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس الفنزويلي على إمدادات الخام العالمية، وتأثير ذلك الأوسع على قطاع الطاقة في البلاد.

وتراهن الولايات المتحدة الأمريكية على إحياء صناعة النفط الفنزويلية حيث تقع فنزويلا فوق أكبر احتياطيات نفطية في العالم، لكن إنتاجها تراجع بشدة خلال فترة حكم الرئيس نيكولاس مادورو التي امتدت 12 عامًا.

وتملك فنزويلا، العضو في منظمة أوبك، نحو 17% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط، بما يعادل 303 مليارات برميل، حيث سجل إنتاج فنزويلا النفطي ذروته في سبعينيات القرن الماضي عند نحو 3.5 مليون برميل يوميًا، وهو ما كان يمثل أكثر من 7% من الإنتاج العالمي آنذاك إلا أن الإنتاج تراجع إلى ما دون مليوني برميل يوميًا خلال العقد الماضي، وبلغ في المتوسط نحو 1.1 مليون برميل يوميًا العام الماضي، أي ما يعادل قرابة 1% فقط من الإمدادات العالمية بحسب بيانات معهد الطاقة في لندن.

وأكد اقتصاديون وخبراء في الطاقة على إمكانية تأثر مصر اقتصاديًا كمستورد صافي للنفط، إذ إن أي ارتفاع في الأسعار سيزيد من تكاليف الاستيراد ويؤثر على تكاليف الطاقة والوقود في الأسواق المحلية.

المخاطر تسيطر على سوق النفط

قالت الدكتورة داليا سمير، الخبيرة في مجال الطاقة والشريك المؤسس لشركة هيدروجين مصر، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن أحداث فنزويلا الحالية تضع سوق الطاقة العالمي أمام حالة من القلق الجيوسياسي غير المسبوق، لكن تأثيرها على أسعار النفط العالمية وعلى الاقتصاد المصري يحتاج إلى قراءة موضوعية وواقعية.

وأكدت أن انخفاض صادرات النفط الفنزويلية مع توترات العقوبات والعمليات العسكرية حول صناعة الطاقة قد أدّى إلى زيادة المخاطر في السوق، ما دفع بعض العقود إلى ارتفاع طفيف في الأسعار كرد فعل فوري على خوف المستثمرين من تعثر الإمدادات.

وأشارت سمير إلى أنه ومن منظور اقتصادي عالمي أشمل، فإن إنتاج فنزويلا النفطي الفعلي محدود حاليًا وأقل بكثير مما كان عليه في العقود السابقة، وغالبًا أقل من مليون برميل يوميًا، وهو ما يمثل جزءًا صغيرًا من الإمدادات العالمية.

وتابعت إن أسواق النفط لا تزال تواجه فائضًا في العرض عالميًا مع إنتاج قوي من السعودية، والإمارات، والولايات المتحدة ودول أخرى، مما يُخفّض قدرة الأحداث في فنزويلا وحدها على إحداث صدمات سعرية كبيرة أو طويلة الأمد.

وأكدت الخبيرة في مجال الطاقة أنه حتى في حالة السيناريوهات المتوترة، فإن ارتفاع الأسعار المتوقّع غالبًا محدود، وقد نرى ارتدادًا إلى مستويات معتدلة، خصوصًا إذا ظلّت منظمة أوبك+ متماسكة في سياسات الإنتاج.

ارتفاع سعر النفط يُزيد التضخم

وحول تأثر مصر اقتصاديًا بما يحدث في فينزويلا توضح سمير أن مصر تعد مستورد صافي للنفط، لذلك فإن أي ارتفاع في الأسعار يزيد من تكاليف الاستيراد ويؤثر على تكاليف الطاقة والوقود في الأسواق المحلية مشيرة إلى أنه ورغم ذلك فإنه مع آليات التسعير المتّبعة في مصر مثل الأسعار الآجلة والتحوط تساعد في تخفيف التأثير الفوري لتقلبات الأسعار العالمية.  

وأضافت أن أي ارتفاع معتدل في الأسعار يمكن أن يضيف بعض الضغوط التضخمية على الاقتصاد، لكنه ليس بالضرورة أن يتحوّل إلى أزمة، طالما بقيت هناك وفرة نسبية في العرض العالمي واستقرار نسبي في سياسات الإنتاج.

وفي هذا السياق يتفق الدكتور حسين العسيلي الخبير الاقتصادي مع رؤية سمير حيث يرى أن مصر ليست بمنأى عما يحدث، فهذه التطورات تتصل مباشرة بالاقتصاد المصري، فالاقتصاد المصري يعتمد جزئيًا على عائدات قناة السويس ومصادر الطاقة المستوردة، وأن أي اضطراب في طرق التجارة والطاقة ينعكس على حركة الملاحة الدولية، مما قد يفرض ضغوطًا إضافية على سعر الصرف واستقرار الميزان التجاري.

وتجاوز احتياطى النقد الأجنبى لمصر حاجز الـ 50 مليار دولار فى شهر أكتوبر الماضى، مسجلًا 50.07 مليار دولار، بزيادة 537 مليون دولار عن شهر سبتمبر، وفقا لما أعلنه البنك المركزى المصرى.

أسعار الذهب تأثرت

ويضيف العسيلي أن انعكاس ذلك على الاقتصاد المصري يبدو واضحًا من زاوية أسعار النفط العالمية؛ إذ إن أي تصعيد جيوسياسي في دولة نفطية كبرى يؤدي عادة إلى تقلبات حادة وميول صعوديه للأسعار، بما يرفع فاتورة الاستيراد ويزيد الضغوط التضخمية، ويؤثر على عجز الموازنة وميزان المدفوعات، وقد كانت أولى انعكاسات هذه الأحداث على مصر أن شهدت أسواق الذهب ارتفاعًا في الأسعار بعد تطورات فنزويلا، في ظل قلق المستثمرين من المخاطر الجيوسياسية.

وارتفعت قيمة واردات البترول الخام لتسجل نحو 913 مليون دولار، مقابل 274 مليون دولار في ذات الفترة من العام السابق بزيادة قدرها 639 مليون دولار خلال الفترة ما بين يناير إلى أغسطس 2025 وفق نشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في نوفمبر 2025.

وتابع العسيلي: إن التطورات المتسارعة في فنزويلا تشير إلى أن الصراع لم يعد سياسيًا داخليًا بقدر ما أصبح معركة مفتوحة على أحد أهم مصادر النفط في العالم.

السيناريوهات المتوقعة لـ أسعار النفط  

وحول أبرز السيناريوهات المتوقعة لأسعار النفط بعد أحداث فنزويلا تشير سمير إلى ثلاثة سيناريوهات السيناريو الأول يتمثل في وجود سوق مستقر مع ارتفاع طفيف في أسعار النفط حيث من المرجح أن تشهد الأسعار تقلبات معتدلة فقط في المدى القريب، إذ يعوّض الناتج من دول أخرى تراجع الإمدادات الفنزويلية أما السيناريو الثاني فهو حدوث زيادة طفيفة في الأسعار مع استمرار عدم اليقين الجيوسياسي حيث من المتوقع أن يرى السوق ارتفاعات مؤقتة، لكن من غير المرجّح الوصول إلى صدمات سعرية كبيرة ما لم تتوسع الأزمة أكثر أو تتأثر مناطق إنتاج كبرى أخرى.

والسيناريو الثالث الذي قد يحدث إثر تداعيات هذه الأزمة حسب سمير هو انعكاس الاتجاه في حال أدّت الضغوط السياسية إلى تصدير إمدادات بديلة مثل تخفيف العقوبات على فاعلين رئيسيين، يمكن أن تعود الأسعار إلى مستويات قبل الأزمة أو أقل.

في حين يرى العسيلي أن السيناريو الأخطر مرتبطًا بإيران، إذ إن أي تهديد لمضيق هرمز قد يربك إمدادات الطاقة العالمية، ويتسبب في ارتفاع تكاليف الشحن عبر طرق بديلة، بما يؤثر على التجارة الدولية وعلى قناة السويس حيث قد تقودنا أحداث فنزويلا إلى عالم جديد يدخل في مرحلة تنافس حادة على الطاقة والنفوذ، ما يفرض على الاقتصادات الناشئة والتي منها مصر ضرورة تعزيز المرونة، وتنويع مصادر الطاقة والدخل، والاستعداد لتقلبات غير متوقعة قد تمتد آثارها إلى التضخم وسعر الصرف.

بينما يرى العسيلي أن هذه التطورات تمثل تحديًا مباشرًا للصين، التي تُعد من أكبر المستفيدين من النفط الفنزويلي، إذ كانت تستقبل نحو 430 ألف برميل يوميًا من الخام الفنزويلي قبل العقوبات، مما يجعل أي اضطراب في الإمدادات مصدر قلق لطموحاتها الاقتصادية وتأمين مواردها الأساسية، أما روسيا، فمن غير المرجح أن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات متكررة لأمريكا لفرض النفوذ، لكنها تميل إلى الرد غير المباشر،

ويستكمل العسيلي: إن المشهد العالمي حاليًا يتجه نحو قيادة سياسية عالمية جديدة، فالأحداث الجارية تشير إلى أننا أمام تنافس ثلاثي الأقطاب بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين، دون قائد أوحد، حيث تتغير موازين القوة من ملف لآخر، بما يرسخ حالة عدم الاستقرار في النظام الدولي.

وحول التوقعات السعرية خلال الفترة المقبلة توقع الدكتور هشام حمزة، الخبير الاقتصادي ألا يحدث تغييرًا في السعر على المدى القريب، حيث لايزال أمام أمريكا بعض الوقت حتى يمكن تصدير البترول من الأراضي الفنزويلية للولايات المتحدة الأمريكية وأن الأمر سيحتاج إلى نحو عام حتى ينخفض السعر تدريجيًا.

وأضاف حمزة أن دول التعاون الخليجي في المقابل ستعمل على خفض إنتاجها من البترول للحفاظ على السعر دون انهيار مع زيادة المعروض.

وفي ختام حديثها تشير سمير إلى أن أسواق النفط اليوم هي أسواق مدفوعة بتوازنات معقدة بين العرض والطلب، وتفاعلات سياسية واقتصادية متعددة، وأحداث فنزويلا هي جزء من هذا المشهد، لكنها ليست العامل الوحيد أو الحاسم وحدها في تحديد مسار أسعار النفط على المدى المتوسط.

وصرح وزير البترول كريم بدوي، مؤخرًا بأن قطاع البترول ملتزم بسياسات تحفيز شركاء الاستثمار للمساهمة بشكل مباشر في التغلب على التناقص بالإنتاج، لافتًا إلى العمل على خطة متكاملة لزيادة إنتاج البترول الخام على المستوى القريب بما يحقق نقلة نوعية في هذا المجال، مع إعطاء أولوية لتسريع تنفيذ مشروعات توفير المنتجات البترولية محليًا لتقليل الضغط على فاتورة الاستيراد.

وحسب تقرير لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، ارتفع عدد شركات البترول العالمية العاملة في مصر، في مجال الاستثمار في البحث عن البترول والغاز إلى حوالي 50 شركة، كما نجح قطاع البترول في جذب استثمارات لشركات بترول عالمية.

كما قام بتنفيذ 32 مشروعاً في تنمية حقول البترول، باستثمارات تقدر بحوالي 561 مليار جنيه، إلى جانب إبرام حوالي 130 اتفاقية بترولية، منذ أكتوبر 2013 مع شركات بترول عالمية ومحلية.

اخبار مشابهة