}

أمريكا تفرض عقوبات على فرع بنك مصر في الإمارات بسبب إيران .. ما القصة؟

أخر تحديث 2026/08/30 04:10:00 م
أمريكا تفرض عقوبات على فرع بنك مصر في الإمارات بسبب إيران .. ما القصة؟

آراب فاينانس: تضع العقوبات والقيود التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على فرع بنك مصر في دولة الإمارات بشأن تقييد معاملاات المراسلة بالدولار على خلفية اتهامات بتسهيل تحويلات مالية مرتبطة بإيران القطاع المصرفي المصري أمام اختبار جيوسياسي ومالي غير مسبوق، وفي حين يسارع البنك المركزي المصري بالتعاون مع الخارجية لامتصاص الصدمة والتأكيد على اقتصار التداعيات على هذا الفرع الخارجي، يرى مصرفيون وخبراء اقتصاديون أن الاحتواء يتطلب تحركًا حكوميًا عاجلًا يجاوز حدود البيانات التوضيحية.

وأوصى مصرفيون تحدثوا لـ آراب فاينانس بضرورة الاستفادة الفورية من مهلة الـ 30 يومًا المتاحة لتقديم رد رسمي وقانوني مدعوم بالوثائق لوزارة الخزانة الأمريكية لإثبات حسن النية والامتثال للمقاييس الدولية، إلى جانب تكليف مكتب تدقيق مالي دولي مستقل لمراجعة كل معاملات فرع الإمارات لتقديم التقرير بشفافية للمصرف المركزي الإماراتي وشبكة المراسلة الدولية لتفادي تمدد أي إجراءات، مع تشديد أدوات الرقابة والامتثال الداخلي في كافة الفروع الخارجية للبنوك المصرية لمنع استغلال الثغرات المالية في النزاعات الدولية، وأن يتزامن ذلك مع فتح خطوط اتصال مباشرة مع المصرف المركزي الإماراتي لحماية أموال المودعين وضمان ألا تؤثر هذه الأزمة الاستثنائية على العلاقات المالية والتجارية الوثيقة بين البلدين.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية ذكرت في بيان لها أن تقييماتها تشير إلى أن بنك مصر في الإمارات يمثل محوراً ماليًا رئيسيًا يتيح للنظام الإيراني الوصول إلى الدولار الأمريكي، لافتة إلى أن البنك عالج، خلال الفترة بين يناير 2024 ويونيو 2026، معاملات بقيمة نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُحتمل أن تكون جزءًا من شبكات مصرفية إيرانية موازية.

في المقابل، علّق البنك المركزي المصري على القرار الأمريكي، قائلًا، في بيان، إن البنك ووزارة الخارجية المصرية على اتصال بالجانب الأمريكي فيما يخص تلك الإجراءات.

ولفت البنك المركزي المصري إلى أن الإجراء يقتصر على معاملات فرع "بنك مصر" في الإمارات مع المراسلين بعملة الدولار الأمريكي فقط، ولا يمتد أثر أي من تلك الإجراءات إلى أي من بنوك القطاع المصرفي المصري، بما فيها "بنك مصر" في جمهورية مصر العربية أو أي من فروعه الخارجية الأخرى مشددًا على "قوة وصلابة" جميع البنوك العاملة في مصر.

أزمة بنك مصر تتعلق بمنظومة الامتثال وإدارة المخاطر

من جانبه قال الدكتور عمرو جبر، الخبير المصرفي في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن التطورات المتعلقة بفروع بنك مصر في الإمارات يجب أن يتم التعامل معها في إطارها المصرفي والرقابي الصحيح، إذ أرى أن القضية في جوهرها تتعلق بمنظومة الامتثال وإدارة المخاطر وعلاقات المراسلة المصرفية بالدولار أكثر من كونها أزمة مالية أو أزمة ملاءة تخص بنك مصر الرئيسي وفروعه داخل جمهورية مصر العربية.

وأضاف جبر أنه من المهم في البداية التأكيد على أن الإجراء الأمريكي الحالي ما زال في مرحلة المقترح التنظيمي وليس قرارًا نهائيًا، كما أن نطاقه يتعلق بفروع بنك مصر العاملة في الإمارات، وبالتالي لا يجب الخلط بين وضع الفروع الإماراتية وبين المركز المالي لبنك مصر داخل مصر.

وبالنسبة للرقم المتداول والبالغ نحو 1.8 مليار دولار، يرى جبر أن التعامل معه يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، فمجرد مرور معاملات بهذا الحجم لا يعني أن كامل المبلغ يمثل أموالًا غير مشروعة، وإنما الحديث وفقا لما أعلنته السلطات الأمريكية يتعلق بمعاملات لصالح شركات قالت إنها قد تكون مرتبطة بشبكات ظل مرتبطة بإيران.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أعلنت عن فرض عقوبات على بنك مصر، وشركة مقرها هونج كونج وجهات أخرى، ضمن عملية سمتها المنبوذ الاقتصادي، بداعي وجود علاقات تجارية ومالية لها مع إيران.

ويعتبر جبر أن السؤال المصرفي الأهم هنا هو كيف تمكنت معاملات بهذا الحجم من المرور دون اكتشاف مبكر لأي مؤشرات أو أنماط غير طبيعية من خلال أنظمة مكافحة غسل الأموال ومراقبة المعاملات مشددًا على أن منظومة الامتثال الحديثة لم تعد تعتمد فقط على معرفة العميل أو التأكد من استيفاء المستندات القانونية، وإنما يجب أن تمتد إلى معرفة المستفيد الحقيقي وفهم طبيعة النشاط ومصدر الأموال والغرض الاقتصادي من المعاملة وتحليل العلاقات بين العملاء والشركات والأطراف المرتبطة بهم.

كارت أصفر لفرع بنك مصر في الإمارات

بينما يؤكد الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي لـ آراب فاينانس أن ما قامت به وزارة الخزانة الأمريكية يعد كارت أصفر، وإنذار لبنك مصر وليس كارت أحمر نهائي يستوجب عقوبات تنفيذية على البنك.

وأشار النحاس، إلى أن فرع بنك مصر في الإمارات يخضع لقواعد المصرف المركزي الإماراتي، معتبرًا أن التصعيد العقابي من جانب أمريكا تجاه فرع بنك مصر في الإمارات استند على بيانات من المركزي الإماراتي خاصة أن العمليات محل الاتهام يعود تاريخها لعام 2024 والذي كانت فيه الإمارات ذاتها في القائمة الرمادية حيث أعلن لاحقًا من جانب "مجموعة العمل المالي" التي تتخذ من باريس مقراً لها إزالة الإمارات العربية المتحدة من قائمة تضع بعض الدولة الخليجية تحت مراقبة مكثفة تتعلق بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

وأبدى النحاس قلقه من التأثير على تحويلات المصريين في الخارج والتي تُعد المورد الأكبر للعملة الأجنبية في مصر، والتي تجاوزت نحو 43 مليار دولار. 

بينما أكد جبر أن ما تعرف بـ شركات الواجهة التي ذكرت في بيان وزارة الخزانة الأمريكية تمثل تحديًا كبيرا أمام إدارات الامتثال، لأن المعاملة الواحدة قد تبدو طبيعية عند فحصها بشكل منفرد، بينما يمكن لتحليل مجموعة المعاملات والعلاقات بين الشركات أن يكشف عن نمط مختلف تماما، ولذلك أرى أن الاتجاه الحديث يجب أن يكون نحو تحليل شبكة المعاملات وليس العميل بمعزل عن البيئة المحيطة به، أما فيما يتعلق بتقييد التعامل من خلال حسابات المراسلة بالدولار، فأنا أرى أن هذه النقطة من أهم جوانب القضية، فعلاقات المراسلة المصرفية تمثل قناة أساسية للوصول إلى النظام المالي العالمي وتنفيذ التحويلات والتسويات بالدولار، وفي حالة تطبيق الإجراء المقترح فإن تقييد قدرة الفرع الإماراتي على التعامل من خلال حسابات المراسلة لدى المؤسسات المالية الأمريكية يمكن أن يؤدي إلى إعادة توجيه بعض المعاملات إلى قنوات أخرى، وزيادة متطلبات الفحص والامتثال، وربما زيادة تكلفة وزمن تنفيذ بعض العمليات.

لكن في تقديري فإن الخطر الأكبر قد لا يكون في الإجراء المباشر نفسه وإنما في احتمال حدوث ما يعرف بتقليل المخاطر أو الـDe-risking، أي أن تقوم بنوك أجنبية أخرى بإعادة تقييم علاقاتها مع الفرع الإماراتي بسبب ارتفاع مخاطر الامتثال حتى لو لم تكن مطالبة قانونا بوقف التعامل معه، وهنا أرى أن سرعة الاستجابة والتواصل مع البنوك المراسلة والجهات الرقابية سيكونان من أهم عوامل احتواء الأزمة، لأن البنوك المراسلة لا تنظر فقط إلى وجود حظر قانوني من عدمه وإنما تقوم بصورة مستمرة بتقييم المخاطر المرتبطة بعلاقاتها وفق جبر.

وفيما يتعلق بمهلة الثلاثين يوما، يرى جبر أنه من المهم عدم وصفها بأنها فترة استئناف بالمعنى التقليدي، لأننا أمام مقترح تنظيمي يتيح للأطراف المعنية تقديم تعليقات وبيانات ودفوع قبل الوصول إلى القرار النهائي، ومن وجهة نظري فإن هذه الفترة تمثل فرصة مهمة أمام بنك مصر لتقديم البيانات والتوضيحات المتعلقة بالمعاملات محل الفحص، وشرح الإجراءات التي كانت مطبقة فيما يتعلق بمراقبة المعاملات، بالإضافة إلى توضيح أي إجراءات تم اتخاذها لتعزيز منظومة الامتثال، وأرى أيضًا أنه من المهم التفرقة بين الـ Special Measure  أو (التدبير الخاص) بموجب القسم 311 من قانون باتريوت الأمريكي وهو أداة تنظيمية تمنح لوزير الخزانة الأمريكي وشبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN) صلاحية استهداف المؤسسات المالية الأجنبية، أو الولايات القضائية، أو فئات المعاملات التي تُعتبر مصدر قلق رئيسي في غسل الأموال وبين مفهوم العقوبات الثانوية بالشكل التقليدي، لكن حتى في حالة عدم وجود حظر مباشر على البنوك الأجنبية الأخرى، فمن الممكن أن تتأثر العلاقات المصرفية بشكل غير مباشر نتيجة قيام هذه البنوك بإعادة تقييم مستوى المخاطر. أما بالنسبة للتشابك الرقابي بين مصر والإمارات والولايات المتحدة، فأنا أرى أن القضية تمثل نموذجًا واضحًا لتداخل الأطر الرقابية عبر الحدود. فالفروع الموجودة في الإمارات تخضع للرقابة الإماراتية، بينما التعاملات بالدولار ترتبط في الوقت نفسه بالنظام المالي الأمريكي.

ويعتبر جبر أن قيام مصرف الإمارات المركزي بإجراء فحص عاجل لفروع بنك مصر خطوة رقابية مهمة للتأكد من طبيعة المعاملات ومدى توافقها مع القواعد المحلية، ولا يرى أن مجرد إجراء الفحص يعني ثبوت وجود مخالفة، وفي المقابل أرى أن تحرك البنك المركزي المصري وحرصه على التأكيد بأن الإجراء يتعلق بفروع بنك مصر في الإمارات ولا يمتد إلى البنك داخل مصر يمثل عاملا مهمًا في الحفاظ على استقرار السوق ومنع انتقال المخاوف إلى القطاع المصرفي المصري بصورة غير مبررة، وبالنسبة للتأثير الاقتصادي، فأنا لا أتوقع أن يؤدي الإجراء في حد ذاته إلى توقف التجارة أو التحويلات بين مصر والإمارات، خاصة مع وجود عدد كبير من البنوك والقنوات المصرفية البديلة، لكنني أرى أن التأثير قد يظهر بصورة أكبر في بعض المعاملات التي تعتمد على الفرع الإماراتي أو على التسويات بالدولار من خلال علاقاته المصرفية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة إجراءات الفحص أو تكلفة تنفيذ بعض العمليات أو إعادة توجيهها إلى بنوك أخرى.

ويشير جبر إلى أن مخاطر السمعة تمثل أحد أهم الملفات التي يجب مراقبتها، فقد يكون الإجراء قانونيًا محصورا في الفرع الإماراتي، لكن المخاطر المتعلقة بالسمعة يمكن أن تمتد إلى المجموعة المصرفية إذا لم تتم إدارة الأزمة بالشكل المناسب معتبرًا أن سرعة الاستجابة والشفافية في التعامل مع الجهات الرقابية والبنوك المراسلة ستكون من أهم العوامل التي تحدد قدرة البنك على احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مخاطر أوسع على مستوى المجموعة.

استراتيجية أمريكا للضغط على إيران ماليًا

ومن ناحية البعد الجيوسياسي يعتقد جبر أن توقيت وطبيعة الإجراء يعكسان جزءا من الاستراتيجية الأمريكية الأوسع للضغط الاقتصادي والمالي على إيران، خاصة أن النظام المالي العالمي وعلاقات المراسلة بالدولار يمثلان إحدى الأدوات المهمة في تنفيذ هذه السياسة.

 ومن الزاوية المصرفية يؤكد جبر أن استخدام النظام المالي كأداة للضغط الاقتصادي يؤكد أن البنوك أصبحت جزءا أساسيًا من منظومة الأمن المالي الدولي، وأن مخاطر الامتثال لم تعد مسألة داخلية تخص البنك وحده وإنما أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بعلاقاته مع النظام المالي العالمي.

وبالنسبة لإمكانية زيادة الاعتماد على العملات المحلية في التسويات التجارية، يشير جبر إلى أن مثل هذه التطورات يمكن أن تدفع بعض الدول والبنوك إلى التفكير بصورة أكبر في تنويع قنوات التسوية وتقليل الاعتماد على مسار واحد في النظام المالي الدولي، لكن من الصعب توقع تحول سريع بعيدًا عن الدولار نتيجة هذه الأزمة وحدها، فالدولار ما زال يتمتع بسيولة وقبول عالميين وشبكة واسعة من البنوك المراسلة، ولذلك أرى أن الاتجاه الأكثر واقعية هو تنويع أدوات وقنوات التسوية وليس الاستغناء عن الدولار.

في ختام حديثه يوضح جبر أن قضية بنك مصر في الإمارات يجب ألا يتم التعامل معها باعتبارها أزمة ملاءة أو أزمة تخص سلامة الجهاز المصرفي المصري، وإنما باعتبارها اختبارًا مهما لمنظومة الامتثال وإدارة المخاطر وعلاقات المراسلة المصرفية، ومن السابق لأوانه في رأيي الحكم بوجود تقصير من جانب البنك قبل انتهاء الفحوص والتحقيقات والإجراءات التنظيمية، لكن القضية في جميع الأحوال تقدم درسًا مهما للقطاع المصرفي العربي، وهو أن الامتثال لم يعد مجرد وظيفة رقابية داخل البنك وإنما أصبح جزءًا أساسيًا من استراتيجية حماية البنك وسمعته وقدرته على الوصول إلى النظام المالي العالمي.

وأعتقد أن الدرس الأهم هو أن البنك لم يعد مطالبًا فقط بأن يُعرف عميله، وإنما أصبح مطالبا بفهم شبكة العلاقات المحيطة به ومصدر الأموال والمستفيد الحقيقي والغرض الاقتصادي من المعاملات، خصوصًا مع تطور أساليب الالتفاف على العقوبات واستخدام الهياكل والشركات المعقدة في حركة الأموال عبر الحدود.

ضرورة الاستفادة من التجربة

ويتفق النحاس مع تلك الرؤية بضرورة الاستفادة من هذه التجربة لتشديد الرقابة المصرفية والامتثال للقواعد الدولية حتى لا يتعرض البنك لمخاطر تجميد الأصول خاصة مع الإعلان المستمر عن التحول الرقمي والرقمنة المتبعة في البنوك.

في حين يؤكد الدكتور رشاد عبده الخبير الاقتصادي أن المشهد لايزال فيه التباس وغموض وأن الحكومة المصرية ستوضح الصورة للجانب الأمريكي وأنه لا يوجد خلافات مالية، تستدعي أي عقوبات أمريكية تجاه فرع بنك مصر في الإمارات.

وحول تأثر المعاملات والتحويلات البنكية الحالية أكد عبده أن هناك تأثير بالطبع سيحدث نتيجة التحقيقات الجارية حاليًا، حيث يمكن التعامل من خلال جهات مصرفية أخرى منبهًا بأن الفترة المقبلة ستشهد رقابة صارمة.

وأضاف عبده أن كلمة المنبوذ الاقتصادي التي أطلقتها أمريكا لمواجهة إيران ماليًا تعبر عن محاولات واشنطن تجفيف أي إيرادات لطهران، لإجبارها على الموافقة على الشروط الأمريكية خلال المفاوضات وتوقيع اتفاق معها وفق هذه الشروط.

وقالت وزارة الخزانة الأمريكية في منشور عبر حسابها الرسمي على منصة "إكس"، تويتر سابقا، إنه في إطار عملية المنبوذ الاقتصادي، اقترحت شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية (FinCEN)، قاعدةً من شأنها إلغاء إمكانية وصول بنك مصر الإمارات إلى خدمات المراسلة المصرفية لدى المؤسسات المالية الأمريكية.

ومن جانبه، قال سكوت بيسنت وزير الخزانة الأمريكي إن "وزارة الخزانة تعهدت بقطع كل شريان حياة اقتصادي متبقٍ لطهران، ووضع حد نهائي لتهديد النظام الإيراني. كما حذّرنا من أن الجهات التي تساعد إيران، لا يمكنها الاستمرار في التمتع بإمكانية الوصول إلى الدولار الأمريكي والنظام المالي العالمي. وقد اختار بنك مصر في الإمارات أن يدرك ذلك بالطريقة الصعبة، واليوم، نتخذ الخطوة الأولى لمحاسبته على دعمه الصارخ والمستمر للنظام الإيراني".

أخبار مشابهة