آراب فاينانس: فتح إعلان موافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية على مقترح وزارة المالية لإصدار صكوك ضريبية يمولها الممولون وتُخصم من مستحقاتهم الضريبية المستقبلية، بابًا واسعًا من الجدل بين صناع القرار الاقتصادي والمحللين الماليين.
ففي الوقت الذي تستهدف فيه الحكومة من هذا المقترح المُبتكر توفير سيولة فورية للخزانة العامة وخفض الاحتياجات التمويلية وتقليص فاتورة خدمة الدين، يرى خبراء الاقتصاد أن هذه الخطوة تمثل خيارًا اضطراريًا تحيط به عدة تساؤلات ومخاوف حيث تتركز مطالب الخبراء ومخاوفهم حول مدى تأثير خصم هذه الصكوك مستقبلًا على الحصيلة الضريبية للسنوات القادمة، وما إذا كان ذلك سيتسبب في فجوة تمويلية جديدة لاحقًا، فضلًا عن التساؤلات المشروعة حول طبيعة العائد المالي الممنوح للممولين وآليات تسويته قانونيًا.
ووفق الموقع الرسمي لمصلحة الضرائب المصرية فإن الصكوك الضريبية هي ميزة جديدة للممولين تحقق عائدًا وتُستخدم في الوفاء بالالتزامات الضريبية المستقبلية كما تعكس توجه وزارة المالية نحو تقديم مزايا حقيقية للممولين الملتزمين وتعزيز الثقة والشراكة مع مجتمع الأعمال وتأتي كذلك في إطار استكمال حزم التسهيلات الضريبية وتطوير العلاقة مع الممولين على أسس أكثر تحفيزًا واستقرارًا
وأكدت مصلحة الضرائب المصرية أن الصكوك الضريبية تمثل ميزة جديدة وقوية للممولين، وبصفة خاصة الممولين الملتزمين، وتعكس توجه وزارة المالية نحو تطوير العلاقة مع المجتمع الضريبي لتقوم بصورة أكبر على الثقة والشراكة والتحفيز، وتقديم أدوات ومزايا تحقق منفعة حقيقية للممول، في إطار استكمال حزم التسهيلات الضريبية.
الصكوك الضريبية ستساهم في خفض الدين الخارجي
من جانبه يقول ممدوح فاروق إبراهيم رئيس لجنة الضرائب بجمعية خبراء الضرائب المصرية في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن الصكوك الضريبية من شأنها تخفيض الدين الخارجي للدولة، مشددًا على ضرورة توضيح الضمانات التي سيحصل عليها المُمول نتيجة استثماره في هذه الصكوك الضريبية.
ويؤكد إبراهيم أن هذه الصكوك ستُسدد التزامات مستقبلية على الممول، وبالتالي فسيتم دفع هذه الالتزامات مقدمًا خصمًا من الدين على المُمول، وهنا ينبغي أن نوضح إشكالية يمكن أن تظهر في المستقبل، وهى كيفية التعامل مع التقديرات الجزافية للضرائب، والتي يمكن أن تُفرض على المُمول خلال المقاصة التي ستتم خلال المعاملات الضريبية.
وتتفق الدكتورة مروة الشافعي خبيرة التمويل والاستثمار، مع إبراهيم على ضرورة وجود ما يشجع المستثمر أو المُمول للاستثمار في هذه الصكوك الضريبية، لافتة إلى أن هناك أدوات أخرى منافسة لهذه الصكوك الضريبية مثل السندات وأذون الخزانة، والتي تتسم بسعر فائدة مرتفع، فما الذي سيحصل عليه الممول لكي يدفع الالتزامات الضريبية مبكرًا لمدة عام كامل، وهذا تساؤل منطقي جدًا سيسأله الممول قبل خوض تلك التجربة وعند المقارنة بالفرصة البديلة.
وتؤكد الشافعي أنه ينبغي إعداد دراسة وافية من جانب الحكومة ووزارة المالية حول هذه الصكوك وجدواها وفوائدها للمُمول والفئة المستهدفة والمتوقع إقبالها على هذه الأداة الجديدة. كما يجب توضيح كيفية تعامل الحكومة مع الانخفاض المتوقع في العام التالي للحصيلة الضريبية، مشددة على أن الحكومة تبحث من خلال تلك الأداة زيادة الوعاء الضريبي للدولة في الوقت الراهن.
ينبغي أن يشعر المواطن بأثر الحصيلة الضريبية
وتطالب الشافعي، بضرورة شعور المواطن بأثر الحصيلة الضريبية التي تجمعها الدولة حيث ينبغي أن يظهر ذلك في شكل خدمات صحية وتعليمية وغيرها من الخدمات، مع محاولة تغيير الصورة الذهنية السلبية عن الحكومة بأن ما يهمها هو تحصيل الضرائب من المواطن ولا شئ أكثر.
وكشفت البيان المالى لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 33% مقارنة بالعام السابق، لتسجل 3.5 تريليون جنيه، مقابل 2.65 تريليون جنيه في عام 2025/2026.
وشَكّلت بذلك الضرائب نسبة 87% من إجمالي الإيرادات المستهدفة البالغة 4 تريليونات و54 مليار جنيه، فيما كانت النسبة المستهدفة في العام المالي الجاري 2026/2025، هي 85.3%..
وأوضحت البيانات أن الإيرادات الضريبية سجلت ما يعادل 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2026/2027، مقابل 7.9% في العام السابق
وترى الشافعي أن الحل يكمن في توجيه هذه الحصيلة الضريبية لمشروعات إنتاجية وصناديق استثمارية في المجالين الصناعي والزراعي الذي يتسم برفع الإنتاجية وزيادة التصدير والحد من الاستيراد.
بينما يشير إبراهيم إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كلف وزارة المالية بدراسة هذا المقترح بعد الموافقة عليه وهو الأمر الذي يحتاج لنقاش مجتمعي مع مجتمع الأعمال حتى تخرج هذه الصكوك بشكل يلائم المُمول ويحفزه على الاستثمار فيها، حيث ينبغي أن تكون الفائدة على هذه الصكوك مختلفة ومميزة عن العائد من البنوك والفائدة السائدة حتى يشارك الممول في هذا النوع من الاستثمار.
وتؤكد مصلحة الضرائب المصرية على موقعها الإلكتروني أن أهمية الصكوك الضريبية تتمثل بالأساس في الميزة التي تمنحها للممول؛ حيث تتيح له الاستفادة من السيولة المتاحة لديه من خلال الاكتتاب في الصك، والحصول على عائد، مع إمكانية استخدام قيمة الصك في الوفاء بالتزاماته الضريبية المستقبلية وفقًا للضوابط والآليات المنظمة لذلك.
وأضافت مصلحة الضرائب أن الفكرة تقوم على منح الممول فرصة لتحقيق استفادة مزدوجة؛ فمن ناحية يستطيع تحقيق عائد على أمواله خلال مدة الصك، ومن ناحية أخرى تظل قيمة الصك قابلة للاستخدام في تسوية التزاماته الضريبية عند استحقاقها، وهو ما يجعلها ميزة حقيقية للمُمول، وليست التزامًا أو عبئًا ضريبيًا جديدًا عليه.
ويشدد إبراهيم على أهمية توضيح آليات التنفيذ والضمانات التي سيحصل عليها المُمول عبر هذه الصكوك الضريبية، وهذه الضمانات يمكن أن تكون على سبيل المثال عدم قيام الحكومة بالحجز على قيمة هذه الصكوك وعوائدها المالية الخاصة بالممول، وكذلك أن تتم التسوية المالية من خلال الممول وليس عبر مصلحة الضرائب بمفردها دون معرفة المُمول طريقة خصم الضرائب منه.
وألمح إبراهيم إلى ضرورة توضيح المزايا التي سيحصل عليها المُمول لكي يُساهم في هذه الصكوك الضريبية، فكما ستستفيد الدولة يجب أن يستفيد الممول أيضا من الاستثمار في الصكوك الضريبية.
وأظهر التقرير المالي الشهري الصادر عن وزارة المالية لشهر يوليو 2026 أن الإصلاحات التي نفذتها وزارة المالية، وفي مقدمتها إطلاق حزمة الإصلاحات الضريبية، وتطوير الخدمات الضريبية، وتعزيز الشفافية، أسهمت في تحقيق نتائج إيجابية خلال الفترة من يوليو إلى مايو 2025/2026، انعكست بصورة واضحة على مؤشرات الأداء المالي للدولة حيث ارتفع الفائض الأولي بصورة ملحوظة، محققًا معدل نمو سنوي بلغ 70%، ليصل إلى 985.1 مليار جنيه، بما يعادل 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من يوليو إلى مايو 2025/2026، مقارنة بنحو 580.4 مليار جنيه، تمثل 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة المناظرة من العام المالي السابق.
وأرجع التقرير هذا التحسن إلى النمو القوي في الإيرادات الضريبية، التي ارتفعت بنسبة 27.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتسجل 2.488 تريليون جنيه خلال أول أحد عشر شهرًا من العام المالي، بما يعادل 11.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح التقرير أن هذه الزيادة جاءت نتيجة النمو المتكامل في حصيلة مختلف أنواع الضرائب، مدفوعة بتحسن العلاقة مع مجتمع الأعمال، واستمرار جني ثمار الحزم الضريبية التي تمثل إصلاحًا هيكليًا ومستدامًا، خاصة فيما يتعلق بضريبة الدخل وضريبة النشاط التجاري والصناعي، في ظل التسهيلات الممنوحة للشركات الصغيرة والمتوسطة.