آراب فاينانس: يدخل قطاع تصنيع السيارات في مصر، مرحلة جديدة مع توجه الدولة نحو وضع خطط لـ توطين صناعة السيارات، خاصة مع إطلاق البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات AIDP والذي يضع شروطًا صارمة لرفع نسبة المكون المحلي إلى 60%.
ووفقًا للدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء في بيان رسمي للمجلس فهناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بمواصلة تعزيز التعاون مع شركات القطاع الخاص؛ محليا ودوليا لدعم استراتيجية الدولة الرامية إلى توطين صناعة السيارات، وزيادة نسبة المكون المحلي، وتعظيم الصادرات من المنتجات المصنعة في مصر، بما يسهم في دفع عجلة الاقتصاد الوطني.
في حين أكد المهندس خالد هاشم وزير الصناعة خلال زيارة أحد مصانع السيارات العاملة في مصر أن الحكومة مُستعدة لتقديم حوافز استثنائية لأي شركة صناعة سيارات عالمية ستقوم بتوطين صناعاتها في مصر.
كيف تحفز الدولة المستثمرين؟
من جانبه قال المهندس خالد سعد، الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن الحكومة أعلنت البرنامج الوطني لصناعة السيارات كنظام للدولة يعبر عن تحفيز للاستثمارات في هذا المجال مع زيادة نسبة المكون المحلي، لافتًا إلى أنه في السابق لم يكن هناك علم بماهية السياسة المتبعة من جانب الحكومة في هذا الأمر، لكنه شدد على أنه مع ظهور البرنامج الوطني لصناعة السيارات، أصبح الأمر مُعلن لجميع المستثمرين سواء المحليين أو الأجانب.
وأضاف سعد، أن صدور البرنامج الوطني لصناعة السيارات يعبر عن اهتمام الدولة بزيادة نسبة المكون المحلي في صناعة السيارات، وتوطين الصناعة الوطنية، فضلًا عن المزايا التي تمنحها للمستثمرين، مثل استعادة من 60 إلى 80% من استثماراته في حالة التزامه بالقواعد المطلوبة منه في هذا البرنامج.
وأطلقت الحكومة المصرية الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة السيارات في يونيو 2022، والبرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات (AIDP) في نوفمبر 2023، والذي يُعد بمثابة سياسة متكاملة وشاملة لصناعة السيارات والصناعات المُغذية لها والتي توفر منظومة مستقرة تتوافق مع جميع الالتزامات الدولية.
وأكد سعد أن الحوافز الاستثمارية الحالية قادرة على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية لقطاع صناعة السيارات في مصر، خاصة الشركات العالمية المتخصصة في صناعة السيارات، لكنه شدد على أن هناك إشكالية ينبغي الانتباه لها هنا، وهى أنه لتحقيق نسبة الحوافز والأرباح للمستثمرين، والحصول على هذه الحوافز التي أعلنتها الحكومة يتطلب تحقيق 4 بنود وهى إنتاج عدد من السيارات لا يقل عن 10 آلاف سيارة موزعة على 5 آلاف سيارة من كل منتج، وكذلك شرط التصدير للخارج، مع زيادة المكون المحلي خلال 8 سنوات من 45% إلى 60%، مع شرط إنتاج سيارات كهربائية، وكل هذه الشروط تعتبر بالطبع تحدي كبير، وعامل غير جاذب يواجه العديد من الشركات العالمية، خاصة شرط إنتاج 10 آلاف سيارة سنويًا، مشددًا على أهمية هذه الحوافز لتنشيط قطاع صناعة السيارات خاصة مع وجود شركات عالمية كبرى في مصر مثل نيسان وبي إم ومرسيدس وتويوتا إلى جانب العديد من الشركات الصينية.
تحديات تواجه توطين صناعة السيارات في مصر
وأكد سعد أن من أبرز التحديات التي تواجه توطين صناعة السيارات في مصر، وقيام شركات عالمية بتدشين مصانع لها في مصر هى الطلب المحدود بالسوق المحلي على السيارات، لأن حجم المبيعات بالسوق المحلي لا يتعدى حاليًا 200 ألف سيارة سنويًا، ونحن لدينا في مصر نحو 20 مصنع للسيارات، وبالتالي ووفق الاستراتيجية الحكومية فإن إنتاج هذه المصانع العاملة في مصر لـ 10 آلاف سيارة سنويًا يعني أن الإنتاج ينبغي أن يغطي كل من السوق المحلي والتصدير معًا وذلك لتغطية حجم الاستثمار الضخم لهذه الشركات، لافتًا إلى وجود فرص تتعلق بالاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر، وهو ما يمنحها المزيد من الفرص التصديرية للعديد من دول العالم، حيث تدعم الدولة التصدير وتمنح المصدرين عدة حوافز.
وتحاول مصر الاستفادة من الاتفاقيات الاقتصادية التي تسهم في تعزيز التبادل التجاري مع مختلف دول العالم بما في ذلك قطاع المركبات، وتشمل اتفاقية الشراكة الموقعة مع الاتحاد الأوروبي في عام 2001، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2004، وكذلك اتفاقية السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي (الكوميسا)، واتفاقية أغادير.
وأوضح سعد أنه لبناء العديد من مصانع السيارات، وتغطية تكاليف الاستثمار الضخم في هذا القطاع يتطلب ذلك إنتاج عدد محدد من السيارات إلى جانب وجود ماركة تخاطب كافة فئات المجتمع وفق احتياجات السوق المصرية.
يتفق مع تلك الرؤية أيضًا المهندس جمال عسكر خبير قطاع السيارات حيث يشير إلى أنه لتوطين الصناعة في مصر، ينبغي أولًا خلق الطلب على السيارات في مصر من خلال توفير احتياجات العملاء في مصر وفق ظروفهم الاقتصادية منوهًا بأن السيارات التي تعرض حاليًا تبدأ من مليون جنيه ويتراوح سعر بعضها من 2.6 مليون جنيه إلى 3.4 مليون جنيه، وهذه الأسعار تناسب الطبقة المميزة في مصر، والتي تصل نسبتها لنحو 5% من المصريين، لذا هناك حجم سوق كبير مهدر لنسبة تصل لنحو 95% من العملاء لا يتم توفير احتياجاتهم وفقًا لقدراتهم الاقتصادية.
وأضاف عسكر أن متوسط حجم المبيعات في السوق المصرية وصل لنحو 160 ألف سيارة سنويًا، وفق بيانات مجلس معلومات سوق السيارات "أميك"، لافتًا إلى أن هناك نحو 22 توكيل جديد للسيارات دخلوا مصر حتى ديسمبر 2025، ليصل إجمالي توكيلات السيارات في مصر لنحو 53 توكيل للسيارات، وبالتالي فإنتاج السيارات يصل لنحو 200 ألف سيارة سنويًا، بمعدل 4 آلاف سيارة لكل توكيل، وبالتالي فحجم الإنتاج ضعيف جدًا بالنسبة لحجم الاستثمار المنفق في هذا القطاع، وبالتالي فهو غير مجدي وغير مشجع اقتصاديًا لهذه الشركات.
وتابع عسكر: إنه ينبغي قبل إنتاج السيارات بحجم ضخم خلق الطلب أولًا على السيارات، لافتًا إلى أنه في عام 1960 دشن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر شركة النصر للسيارات، وتم إنتاج السيارات شاهين ورمسيس، و28 ودوجان ومنهم سيارات لاتزال تسير في شوارع القاهرة حتى الآن، وكانت هذه السيارات مناسبة للظروف الاقتصادية لمعظم المصريين، لذا نجحت التجربة، منوهًا بأنه لنجاح مبادرة توطين صناعة السيارات ينبغي تصنيع وإنتاج سيارات بأسعار معقولة لا تتجاوز 700 ألف جنيه، على أن يكون هناك تعاون مع القطاع الخاص ووزارة الصناعة والهيئة العربية للتصنيع في تنفيذها، وبفائدة بنكية لا تتجاوز 5%، لتلقى قبول من المصريين الذي يعاني معظمهم من الظروف الاقتصادية.
ويؤكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي أن الدولة تسعى فى الآونة الأخيرة لتحويل مصر من سوق مستهلك إلى قاعدة إنتاج إقليمي، عبر رفع الإنتاج المحلي إلى 260 ألف سيارة سنويًا بحلول 2026، وللوصول مستقبلاً إلى نصف مليون سيارة، مع رفع نسبة المكون المحلي إلى 60% ، لكن جوهر التحدي يكمن في طبيعة هذا المكون، ومدى عمقه الصناعي، إذ أن القيمة المضافة عالميًا تتركز في الإلكترونيات والبرمجيات والبطاريات، وليس في التجميع فحسب.
ويوضح العسيلي أن صناعة السيارات في مصر تبرز كأحد أكثر الملفات أهمية وإثارة للجدل، ليس فقط لأنها قطاع صناعي واعد، بل لأنها تمس بشكل مباشر معادلة النقد الأجنبي، والميزان التجاري، وهيكل الصناعة الوطنية. فبينما كانت واردات السيارات ومكوناتها تمثل في فترات سابقة ما يتراوح بين 3 إلى 5 مليارات دولار سنويًا في ذروة الطلب، تتجه الدولة اليوم إلى محاولة قلب هذه المعادلة بالكامل عبر استراتيجية تستهدف تحويل مصر من سوق مستهلك إلى قاعدة إنتاج إقليمي.
في حين يشير سعد إلى أن استقرار سعر الصرف في مصر حاليًا بخلاف ما كان سائد منذ فترة بوجود سعرين للعملة الأجنبية داخل السوق المصرية، ساهم في استقرار سوق السيارات.
وأكد سعد أن نسبة المكون المحلي حاليًا في السيارات الملاكي وصلت لـ 45% و60% لعربات النقل، منوهًا بأنه في حالة الوصول لنسبة 60% من المكون المحلي في السيارات الملاكي، وفي سيارات النقل لـ 80% فإن ذلك سيكون له آثار اقتصادية جيدة على الاقتصاد المصري خاصة الحد من استنزاف العملة الصعبة فضلًا عن عوائد التصدير بالعملة الصعبة مع الدول التي وقعت مصر معها اتفاقيات دولية في هذا الشأن، لافتًا إلى أنه لا يوجد دولة في العالم قادرة على إنتاج سيارة بالكامل بنسبة 100% خاصة مع التدخلات من شركات عالمية كبرى.
وأضاف سعد أن مصر بها العديد من الصناعات المغذية مثل مصانع الزجاج، التي تصدر لأكثر من 22 دولة، فضلًا عن مصانع البطاريات العاملة في مصر، والتي تغطي احتياجات السوق المحلية والأسواق المجاورة.
ينبغي توافر العديد من نقاط الشحن للسيارات الكهربائية
وحول جاهزية مصر لتوطين صناعة السيارات الكهربائية أكد سعد أن الأمر ليس سهلًا خاصة مع وجود أكثر من 10 مليون سيارة متنوعة في مصر، وبالتالي لايزال هناك تخوفات من جانب العميل المصري للتحول نحو السيارات الكهربائية كبديل للسيارات الحالية، خاصة ما يتعلق بقواعد ومحطات الشحن وتوافرها، إلى جانب أن العديد من المصريين ليس لديهم وعي كافٍ بأهمية السيارات الكهربائية كموفرة وأرخص من السيارات العاملة بالبنزين بنحو 60% من التكاليف.
وأضاف أن الدولة كان لديها خطة لتوفير نحو 3 آلاف محطة شحن على مستوى الجمهورية، خلال عام 2026.
بينما يرى عسكر أن نقاط ومحطات الشحن هى المحفز الأول لتشجيع المواطنين على امتلاك وقيادة السيارات الكهربائية، مطالبًا بزيادتها مع وجود تطبيق إلكتروني يتضمن جميع نقاط الشحن على مستوى الجمهورية والتي تساعد المستخدمين على التوجه لها بسهولة مع انتشار مراكز خدمة السيارات الكهربائية، وخدمات ما بعد البيع من صيانة وتوافر لقطع الغيار وغيرها من الخدمات مثل خدمة العملاء، منوهًا بأن كل تلك العوامل ستساهم في تحقيق ونجاح مبادرة توطين صناعة السيارات في مصر.
وحول ضرورة الاستثمار في صناعة البطاريات وباقي الصناعات المغذية في مصر أكد سعد أن هناك تحدي متمثل في ضعف احتياجات السوق المحلي للصناعات المغذية، لكن يمكن مواجهة ذلك بالتوجه نحو التصدير للخارج.
واستهدفت المبادرة الرئاسية لإحلال المركبات المتقادمة، التي تم إطلاقها عام 2021، تعزيز وجود المركبات الصديقة للبيئة في نحو 15 محافظة في المرحلة الأولى للمبادرة تمهيداً لتوسيع قاعدة المستفيدين من المبادرة في باقي المحافظات، كما تعمل المبادرة على توطين صناعة السيارات من خلال زيادة نسبة المكون المحلي.
ووجه الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء ببدء مفاوضات مع وكلاء السيارات الكهربائية، للحصول على أفضل العروض تمهيداً للتعاقد الحكومي على أول دفعة من السيارات المخصصة للمسؤولين الحكوميين، كبديل عن السيارات التي تعمل بالوقود التقليدي.
وبحسب بيان صادر عن رئاسة مجلس الوزراء المصري، تأتي هذه الخطوة في إطار رؤية استراتيجية تستهدف تعظيم كفاءة استخدام الموارد وترشيد استهلاك الوقود التقليدي، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على البيئة.
وأولت الحكومة المصرية اهتمامًا خاصًا بالصناعات المغذية لصناعة السيارات والبنية التحتية المرتبطة بالصناعة، حيث تم إنشاء وتشغيل ما يقرب من 3000 محطة شحن.
كيف تتحقق الأهداف التصديرية؟
وحول تحقيق أهداف تصدير السيارات للأسواق الخارجية يرى عسكر أن تحقيق هدف التصدير يتطلب دراسة الأسواق الخارجية عبر استطلاعات رأي علمية، مثل دراسة السوق الأفريقية ومعرفة احتياجاتهم وقدراتهم الاقتصادية وتفضيلاتهم في أنواع السيارات أيضًا.
وحول الاستفادة من نجاح التجربة المغربية في صناعة السيارات أكد سعد أن المغرب استطاعت دعم الصناعة هناك من خلال منح الأراضي للشركات بشكل مجاني، وتشجيع المستثمرين عبر العديد من الحوافز لزيادة الإنتاج حيث تجاوز إنتاج السيارات المغربية حاليًا مليون سيارة، لافتًا إلى أن التجربة المغربية من التجارب الناجحة التي يجب النظر إليها.
وحول تخصيص مناطق مصرية مثل شرق محافظة بور سعيد لتكون منطقة متكاملة لتصنيع السيارات وتصديرها للخارج، قال سعد إن الأمر يحتاج لبعض الوقت، لدعم المصنعين والمصدرين، وهناك العديد من العلامات التجارية العالمية في صناعة السيارات، التي بدأت تتفاوض مع الحكومة المصرية، للاستثمار في مصر.
بينما يؤكد الدكتور حسين العسيلي أنه وعلى الصعيد التجاري، فإن شبكة الاتفاقيات الدولية مثل الشراكة الأوروبية والكوميسا واتفاقية أغادير قد تشكل ضغطًا على الصناعة المحلية، إلا أنها لا تخلوا من ميزة أنها تفتح لمصر مجالًا للتصدير إذا ما نجحت الحكومة في رفع جودة الإنتاج وزيادة المكون المحلي، والسعى للدخول فى شراكات عالمية تظهر مصر كمنصة متميزة للوصول إلى أسواق ضخمة في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وفيما يتعلق بتوافر الكوادر الفنية في قطاع السيارات قال سعد إن مصر بها قواعد فنية من العمالة المدربة والفنيين، والمهندسين في صناعة السيارات، بل أصبحت مصر تصدر الكثير من هذه الكوادر للعديد من دول العالم.
وفي نهاية أكتوبر 2022، وقّع الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية القانون الخاص بإنشاء المجلس الأعلى لصناعة السيارات، ويختص بوضع الإطار العام للإصلاح التشريعي والإداري لصناعة السيارات.
وأسست الحكومة وحدة صناعة السيارات التابعة لوزارة التجارة والصناعة نهاية عام 2022 حيث تختص بوضع إرشادات الاعتماد والتأهيل التفصيلية لمصنعي السيارات وإنشاء نماذج طلبات الانضمام للبرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات، وتأسيس المجلس الأعلى لصناعة السيارات.
وتستهدف الحكومة مضاعفة الإنتاج المحلي من السيارات في مصر ليصل إلى 260 ألف وحدة سنوياً بحلول عام 2026، مقارنة بنحو 95 ألف سيارة حاليًا كما تتطلع إلى تجاوز حاجز 400 ألف سيارة سنويًا بحلول عام 2030، مع تخصيص 25% من هذا الإنتاج للتصدير، وهو ما قد يدر على البلاد ما يقارب 4 مليارات دولار من العملة الصعبة سنويًا.